إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان أحاديث تحديد المسافة بين السماء والأرض
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاثنين 13 شوال 1429 الموافق 13 أكتوبر 2008
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
السؤال: جاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (هل تدرون كم بين السماء والأرض.. بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء خمسمائة سنة، وكثف كل سماء خمسمائة سنة).
والآن وفي عصرنا الحاضر يقول علماء الفلك: إن الجزء المدرك من الكون يبلغ مسافة 36ألف سنة ضوئية.. والضوء يقطع مسافة 300ألف كيلو في الثانية الواحدة، والذي فهمته أن كل هذا في السماء الدنيا، وأن المسافة التي اكتشفها العلماء من الجزء المدرك يفوق بكثير جدا ما ذكر في الحديث.
مع أن الشيخ الألباني ضعَّف الأحاديث الواردة في هذا الباب، وقال بما نصه: "نعم هناك أحاديث أخرى في تحديد المسافة المذكورة، وهي مع ضعف أسانيدها مختلفة متناقضة، ولا داعي للتوفيق بينها كما فعل ابن خزيمة في "التوحيد"، والبيهقي في "الأسماء" إذ التوفيق فرع من التصحيح، وهو مفقود.
فهل فعلا كل أحاديث الباب ضعيفة أم لا؟
وعلم الفلك يعارض هذه المعلومات، حيث يذكر أن المسافة المعلومة من الفضاء تبلغ آلاف السنوات الضوئية. فما الحق في هذه المسألة، وكيف يكون التفسير للتعارض؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم النبيين المؤيد بساطع البراهين؛ وبعد: فجوابا على السؤال حول مدى مطابقة روايات بعد السماء عن الأرض للواقع، أقول مستعينا بالعلي القدير سائله تعالى التوفيق والسداد:
الأصل عند المحققين أن أخبار الوحي اليقينية الثبوت لا تخالف الواقع، وهي ميزة تفردت بها رسالة خاتم النبيين أيدت في عصر اكتشاف الحقائق العلمية التبديل والتحريف في روايات جميع الكتب المنسوبة للوحي غير القرآن الكريم، ولا مستند للطاعن في الإسلام بتجاهل ساطع براهين الوحي وتلمس مخالفة للواقع في روايات يجهل أسباب ورودها ويتعسف في فهمها إن صحت نسبتها، أو تفتقد لليقين في الثبوت عند المحققين، أو تكون من مشكل الأخبار أو المعلول أو الدخيل كالموضوعات والإسرائيليات المتضمنة غرائب تردها أصالة البلاغة النبوية ويجافيها المعقول، وأما المتحري دفعا للشبهات فمرجعه فوق مآثر الكشوف العلمية ثروة تحقيقات علماء الحديث وفقهاؤه في السند والمتن تؤانسه.
والواقع كما يصفه علم الفلك الحديث أن الكون الممكن الإدراك بنيان شامخ متسع الأبعاد متعدد الطوابق شديد الترابط؛ ملاطه قوى غير مرئية كالعمد، ولبناته متزايدة في العلو والضخامة من حشود النجوم فوق عالمنا الكوكبي، ودون أبعد ما يمكن إدراكه باستخدام مراصد مزودة بمناظير تدرك الإشعاعات غير الضوئية (المراصد الراديوية) وتسمى أشباه النجوم (الكوازارات)، وأقربها حشد نجمي محلي local Cluster دون حشد نجمي أعظم Super Cluster يتبع المجرة Galaxy ضمن حشد مجري محلي دون حشد مجري أعظم، وكلما ازداد البعد زادت سرعة انحسار المجرات، ولا أمل في إدراك المزيد أبعد من أشباه النجوم؛ لأنها تبدو منحسرة بسرعات تقارب أقصى سرعة في الكون الممكن الإدراك، وهي سرعة الضوء؛ ولا يمكن إدراك تكوين مادي ينحسر بعيدا بنفس سرعة ما يصدره من إشعاع.
والعجيب أن هذه المآثر التي لم يحرزها بشر قبل عصر الكشوف لا تأباها نصوص الكتاب العزيز، وتبلغ بك الدهشة أقصى مدى عندما يصيب ابن عباس بمعوله عين النبع بقوله (لسرعته يقطع مسيرة ألف سنة في يوم) في تفسير قوله تعالى: "يُدَبّرُ الأمْرَ مِنَ السّمَآءِ إِلَى الأرْضِ ثُمّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مّمّا تَعُدّونَ" [السجدة:5]، فتجد أن مسافة الألف سنة في يوم تماثل حوالي 300 ألف كم/ثانية [بالنسبة للنجوم يسمى اليوم باليوم النجمي وطوله 86164.09966 ثانية، ويسمى الشهر بالشهر النجمي وطوله 27.32166088 يوما، ونسبة السرعة الوسطية الأساسية المجردة من نسبة التغير: 0.8915725423 (حوالي 0.89)، وقيمة السرعة الوسطية للقمر حوالي 1.023كم/ ثانية (Laros Astronomy, p.142)، والقيمة 1.022794272 (حوالي 1.023) كم/ثانية تجعل قيمة المسافة التي يقطعها القمر حول الأرض في دورة في النظام المعزول: 2.152612269 مليون كم، وتجعل المسافة المقطوعة في 12000 دورة: 25.831347230 بليون كم، وبالتالي تكون قيمة السرعة الكونية القصوى = مسافة ألف سنة قمرية/يوم (في النظام الأرض قمري المعزول)=25.831347230 بليون كم/86164.09966 ثانية = 299792.458 (حوالي 300 ألف) كم/ثانية؛ وهي نفس القيمة في الفيزياء (موسوعة أكسفورد ص316)]. وهي نفس القيمة المعلومة اليوم لسرعة الضوء التي تمثل في علم الفيزياء Physics أقصى سرعة ممكنة الرصد في الكون؛ هذا إذا حملت الأمر على المأمور بإيجاده تصويرا بكلمة (كن) وهو القوى التي تمثل مادة بناء كل تكوين في الكون، وحملت الألف سنة على المسافة التي يقطعها في 12 شهرا ما تقوم على حركته السنة عند عرب التنزيل المخاطبين ابتداء وهو القمر أقرب الجيران، وجعلت (مما تعدون) تخصيصا للحركة وفق ما يعدها المراقب الأرضي مجردة من نسبة التغير في البعد غير الملاحظة بالعين المجردة، وكأن حركة القمر حول الأرض في نظام معزول Isolated System؛ يعني باعتبار الأرض وتابعها لا يدوران حول الشمس كما يعد جميع أهل الأرض.
وتقاس الأبعاد الكونية بالمسافات التي يقطعها الضوء في أزمنة تناسبها؛ فتقول بعد القمر ثانية ضوئية وبعد الشمس 8 دقائق وقطر مجرتنا 100 ألف سنة، وأقصى بعد ممكن الرصد تناسبه أقصى وحدة زمن وهي سنة الشمس وقيمتها حوالي 250 مليون سنة، وأقصى بعد حوالي 12.5 (10-15) بليون سنة بسرعة الضوء [الكون لستيفن هاوكنج ص55، والانفجار الكبير لسيلك ص75]. ويمكن التعبير عنه بالقيمة المركبة من (خمسين) والسرعة (ألف سنة في يوم) [12.5 (10-15) بليون سنة/250 مليون سنة = خمسين]. وتجد أقصى بعد بالفعل بنفس القيمة المعلومة اليوم في قوله تعالى: "سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ. لّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ. مّنَ اللّهِ ذِي الْمَعَارِجِ. تَعْرُجُ الْمَلاَئِكَةُ وَالرّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" [المعارج1-4]؛ هذا إذا سلمت للمفسرين بأن المقام لبيان أقصى بعد، ولم يفتك أن لفظ المعارج المتضمن معنى الانحناء أدق تعبير عن آفاق الكون الموصوفة بالانحناء في علم الفيزياء [الْمَعَارِجِ جمع لاسم المكان (مَعْرَج) كأدق وصف للآفاق الممتدة حيث تسري القوى بانحناء كمشية الأعرج، والاكتشاف بأن مسارات القوى منحنية دفع الفيزيائيين لإطلاق تعبير الكون المنحنيCurved Universe، وفي اللغة: "تعارج حاكى مشية الأعرج وعرَّجه ميَّله وتعرَّج مال والتعاريج المنحنيات والعرجون العذق المعوج"، والملائكة والروح رسل هداية لا تنقطع عن الإبلاغ إلى أن يعود كل شيء إلى الله لا سواه بيانا لوحدانيته تعالى وتفرده، وهم حضور في قياس مسافة لا يقطعها جسم مادي محدود السرعة في كون متغير الأبعاد مما يعني أنه عامر بالساجدين، قال جوهري: "أخذ يستأنف مبينا ارتفاع تلك الدرجات.. فليس المراد المدة بل بعد المدى.. وقدم الملائكة لأنهم في عالم الأرواح.. العالم المبرأ عن المادة (لأنه).. لا يُرتقى إلى تلك المعارج إلا بالكشف العلمي أو الخروج عن عالم المادة"، وقال البيضاوي: "استئناف لبيان ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها"، وقال البغوي: "المسافة من الأرض إلى (منتهى) السماء".. (يعني) "إلى منتهى أمر الله تعالى"، وقال الألوسي: "الكلام بيان لغاية ارتفاع تلك المعارج وبعد مداها.. والمراد أنها في غاية البعد والارتفاع".. و"العروج في الدنيا.. روِي (هذا) عن ابن إسحاق، ومنذر بن سعيد، ومجاهد وجماعة، وهو رواية عن ابن عباس أيضا"]. وهكذا تتضح دلائل الوحي للمحقق البريء من تهمة التعصب الطائفي والمتسلح بالحقائق العلمية التي لم يكن لبشر أن يدركها زمن التنزيل.
وأما في الروايات فقد قال ابن حجر في فتح الباري (ج20ص499): "اِخْتَلَفَ الْخَبَر الْوَارِد فِي قَدْر مَسَافَة مَا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض..؛ فِي التِّرْمِذِيّ أَنَّهَا مِائَة عَام، وَفِي الطَّبَرَانِيّ خَمْسمِائَة..، (و) عِنْد أَبِي دَاوُدَ..: إِحْدَى أَوْ اِثْنَتَانِ أَوْ ثَلَاث وَسَبْعُونَ..، وَالْجَمْع بَيْن اِخْتِلَاف هَذَا الْعَدَد.. أَنْ تُحْمَل الْخَمْسمِائَةِ عَلَى السَّيْر الْبَطِيء كَسَيْرِ الْمَاشِي.. وَتُحْمَل السَّبْعِينَ عَلَى السَّيْر السَّرِيع"، والراجح أن تعيين أقصى بعد بخمسمائة سنة تفسير لعلاقة الألف سنة في يوم، والتي أصاب ابن عباس في حملها على أقصى سرعة، وأيدته القياسات العلمية منذ القياس الأول الذي أجراه أولاس رومر عام 1676م، قال ابن الجوزي المتوفى سنة 597هـ (رحمهم الله تعالى جميعا) في تذكرة الأريب في تفسير الغريب (ج1ص77): "يقضي القضاء من السماء فينزله مع الملائكة إلى الأرض، ثم يعرج الملك إليه في يوم من أيام الدنيا، فيكون الملك قد قطع في يوم في نزوله وصعوده مسافة ألف سنة من مسيرة الآدمي"، ولكن لو سار الآدمي 30 كم في اليوم فلن يقطع حتى في ألف سنة إذا قدر له السير في الفضاء إلا جزءًا يسيرًا (لا يبلغ 8%) في الطريق من الأرض نحو الشمس، ومن الأخبار التي يدفعها التحقيق العلمي ما نقله أبو بكر الهيثمي المتوفى سنة 807 هـ في كتابه مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (ج3ص431): "عن أبي أمامة الباهلي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكِّل بالشمس تسعة أملاك يرمونها بالثلج كل يوم لولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته؛ رواه الطبراني..، وعن ابن عمر قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: أرأيت الأرض على ما هي؟، فقال: الأرض على ماء، فقيل: الماء على ما هو؟، قال: على صخرة، فقيل: الصخرة على ما هي؟ قال: هي على ظهر حوت..، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كنف الأرض مسيرة خمسمائة عام، وبين الأرض العليا والسماء الدنيا خمسمائة عام، وبين كنفها وكنفها خمسمائة عام، وما بين الأرض العليا والسماء السابعة ثم ما بين السماء السابعة إلى العرش مسيرة ذلك كله..، وعن الربيع بن أنس قال: السماء الدنيا موج مكفوف، والثانية صخرة، والثالثة حديد، والرابعة نحاس، والخامسة فضة، والسادسة ذهب، والسابعة ياقوت؛ رواه الطبراني في الأوسط".
قال ابن كثير في البداية والنهاية (ج1ص22): "ما يذكره كثير من أهل الكتاب، وتلقاه عنهم طائفة من علمائنا من أن هذه الأرض من تراب، والتي تحتها من حديد، والأخرى من حجارة من كبريت، والأخرى من كذا؛ فكل هذا: إذا لم يخبر به ويصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله"، وفي الترغيب في بيان أجر الشهيد ورد الأثر: "له في جنة الفردوس ألف ألف مدينة من فضة، وألف ألف مدينة من ذهب، وألف ألف مدينة من لؤلؤ وألف ألف مدينة من ياقوت..، في كل بيت ألف ألف سرير..، كل سرير عليه زوجة..، على كل سرير مائة ألف فراش، غلظ كل فراش كما بين السماء والأرض وما بينهن؛ مسيرة خمسمائة عام"، قال ابن حجر معلقا في المطالب العالية (ج6ص37): "هذا حديث موضوع، ما أجهل من افتراه وأجرأه"، وفي تفسير مقاتل بن سليمان المتوفى سنة 150 هـ (ج2ص200): "(والأرض مَدَدْنَاهَا) يعني بسطناها.. مسيرة خمسمائة عام طولها؛ وعرضها وغلظها مثله"، ولكن لا يعتد بشيوع مثل تلك الأخبار خاصة في التفاسير لأنها من باب النقل لا التحقيق؛ وإلا فتدفعها اليوم القياسات العلمية فضلا على أنها قائمة على وهم الأرض المسطحة لا الكروية.
ولك أن تدهش لما بذله علماء الإسلام من جهود في تحقيق الأخبار سندا ومتنا قبل معرفة الحقائق العلمية القاطعة، قال الشيخ محمد بن درويش الحوت البيروتي المتوفى 1276 هـ في كتابه أسني المطالب في أحاديث مختلفة المراتب (ج1ص164): "حديث السماوات وما ورد فيها من بيان معادنها من فضة أو نحاس أو زبرجد؛ كل ذلك يذكر في السير ولم يصح من ذلك شيء، ولا مقدار ما بين كل سماءين ولا بين السماء والأرض من كون ذلك خمسمائة سنة أو ثمانين"، وأخرج الترمذي المتوفى سنة 279 هـ في سننه خبر مماثل ولكنه وصفه بالغرابة وانقطاع السند (ج1ص206): "قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: هل تدرون ما فوقكم؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف..، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن فوق ذلك سماءين ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عد سبع سماوات ما بين كل سماءين كما بين السماء والأرض، ثم قال: هل تدرون ما فوق ذلك؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد مثل ما بين السماءين، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحتكم؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنها الأرض، ثم قال: هل تدرون ما الذي تحت ذلك؟، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: فإن تحتها الأرض الأخرى بينهما مسيرة خمسمائة سنة، حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو أنكم دليتم رجلا بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على الله..، قال أبو عيسى هذا حديث غريب.. ويروي عن أيوب ويونس بن عبيد وعلي بن زيد قالوا: لم يسمع الحسن من أبي هريرة".
وفي خبر مماثل: "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟، قالوا: لا ندري، قال: بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة، ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سموات، ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أوعال (تيوس جبلية قوية القرون) بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء، ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك"، والحديث أخرجه جملة أئمة عن العباس منهم الإمام أحمد في مسنده (رقم 177)، وأبو داود (2/276)، وابن ماجة (1/83)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص399)، وابن خزيمة في التوحيد (ص68) والحاكم في المستدرك (2/378)، ولكن الترمذي وصفه بالغرابة، وحققه الشيخ محمد زاهد الكوثري، وانتهى إلى أنّ الرواية دخيلة سماها "أسطورة الأوعال" في مقالاته (ص308).
وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على مسند أحمد بن حنبل (ج1ص206): "إسناده ضعيف جدا"، ورده أيضا الشيخ محمد ناصر الدين الألباني بقوله: "الحديث ضعيف الإسناد لا تقوم به حجة..، وللحديث علتان: الاضطراب في إسناده، وجهالة أحد رواته..، وهذا موضوع هام يجب على كل مشتغل بعلم السنة وتراجم الرواة أن يكون على بينة منه كي لا يخطئ بتصحيح الأحاديث الضعيفة اغتراراً..، إذ كل ما فيه من بيان المسافة بين كل سماء والتي فوقها وكذا البحر فوقها والثمانية أوعال كل ذلك لم يرد فيه شيء صالح للاحتجاج به..، (و) هناك أحاديث أخرى في تحديد المسافة المذكورة، وهي مع ضعف أسانيدها مختلفة متناقضة ولا داعي للتوفيق بينها"، ورده كذلك الشيخ مصطفى العدوي في سلسلة التفسير: (ج51ص24): "حديث الأوعال ليس بصحيح"، وقال الشيخ محمد يحيى عزان في كتابه عرض الحديث على القرآن منهج رائد في صيانة السنة النبوية (ج1ص23): دراسة الأسانيد وحدها لا تكفي في نقد الحديث..، و(قد) توجهت جهود الفقهاء إلى دراسة متون الأحاديث..، ومن الضوابط.. اعتبار ما يكذبه العقل وينكره الحس والواقع غير مقبول، كحديث: (إن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور، فإذا حرك الثور قرنه تحركت الصخرة فتحركت الأرض؛ وهي الزلزلة)، وحديث..: (ثمانية أوعال)".
وحتى لو تجاهلت اختلاف المسافة في أخبار تعيين البعد بين الأرض والسماء وما تثيره من إشكالات فلن تكون أكبر قيمة (خمسمائة سنة) حتى بسرعة الضوء إلا خطوة يسيرة (1 من 200) في قطر مجرتنا وحدها فقط. والقاعدة هي أن شهادة الواقع برهان قاطع، وإذا كان الأصل في الغيبيات هو التفويض بغير تكييف ولا إنكار فالأصل في الكونيات صيانة الشريعة برفض المخالف للواقع، لأن الوحي حتما لا يخالف الواقع، قال الشيخ محمد الغزالي أحمد السقا المتوفى سنة 1996م في كتابه السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث (ص74و79): "حديث الآحاد يفيد الظن العلمي، و(هو) دليل على الحكم الشرعي ما لم يكن هناك دليل أقوى منه..، والبعد الذي لاحظناه عن منهج السلف يرجع إلى انتشار الأحاديث الضعيفة، ويرجع قبل ذلك إلى انتشار مقولة لم يكن لها رواج بين الفقهاء القدامى، وهي أن حديث الآحاد يفيد اليقين العلمي الذي يفيده المتواتر"، وقال (ص204): "اليقين الثابت بالعلم وبالوحي لا يجوز أن يتقدم عليه ظن علمي يرويه حديث آحاد، إن حديث الآحاد يتأخر حتما أمام النص القرآني والحقيقة العلمية والواقع التاريخي"، فلا مطعن إذن في رسالة خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام بتناول روايات غير قطعية الثبوت عند المحققين وتتضمن غرائب، وإذا ارتضيت منهج السلف في نقد الأخبار سندا ومتنا واستبعاد الغرائب فاستنطقت الحقائق العلمية اليوم يترسخ لديك اليقين بأن هذا الكتاب العزيز متفرد بالاستعلاء على كل الأوهام غير أي كتاب آخر ينسب للوحي ومطابق تماما للواقع.
ولك إذن أن تدرك من عنى يحيي (يوحنا المعمدان) عليه السلام في أسفار الكتاب الأسبق بالمنتظر المنصور المؤيد بالبينات في قوله لليهود (متى 3/1-11): "تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ.. مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي.. الآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ، أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ"، إن شق عليك الجواب فسيعينك قول معاصره المسيح عيسى عليه السلام مفسرا مثل الشجرة الجديدة المثمرة (متى 21/42-44): "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ، مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا، لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ، وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ، وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ".


إرسال إلى صديق طباعة حفظ