إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان فتنة ابن القشيري
المجيب
صالح بن درباش الزهراني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 05 ذو الحجة 1429 الموافق 03 ديسمبر 2008
السؤال

يقول شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى 4/17: (قال أبو القاسم بن عساكر : ما زالت الحنابلة والأشاعرة في قديم الدهر متفقين غير مفترقين حتى حدثت فتنة ابن القشيري) اهـ.
ما هي فتنة ابن القشيري فقد بحثت عنها على قلة اطلاعي فلم أجدها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
كلام شيخ الإسلام الذي نقله عن ابن عساكر هو في تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري ص  163 وكلام ابن عساكر في الوفاق بين الأشاعرة والحنابلة غير صحيح على إطلاقه، فإن الحنابلة لم يكونوا على وفاق في العقيدة مع الأشاعرة، وإنما الذي حدث أن الأشعري بعد رجوعه عن الاعتزال وسلوكه طريقة ابن كلاب (الملفقة من مذهب المعتزلة ومذهب السلف) أخذ يرد على المعتزلة في المسائل الكبار التي خالفوا فيها السنة كمسألة الصفات والرؤية والقرآن ونحو ذلك فغض الحنابلة عنه الطرف لكونه يقارع عدوا مشتركاً بينهما وهو المعتزلة ثم إن الأشعري اقترب كثيراً من الحنابلة فألف كتابه الإبانة وأعلن فيه أنه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، فمن سار على طريقته في الإبانة كان مقربا من الحنابلة وعلى وفاق معهم، أما من اختار طريقته التي وافق فيها ابن كلاب لم يكن على وفاق مع الحنابلة إلا إذا كان الحنبلي متأثراً بعلم الكلام كما كان الحال بين الباقلاني الأشعري وبين أسرة التميميين الحنابلة من الموافقة والتواصل و  وابن القشيري المذكور في السؤال هو : الإمام أبو نصر عبد الرحيم بن الإمام أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوري المتوفى سنة 514هـ، أحد علماء الشافعية، متكلم أشعري صوفي، من المتعصبين لمذهب الأشعري وهو القائل :
شيئان من يعذلني فيهما فهو على التحقيق مني بري
حب أبي بكر إمام الهدى ثم اعتقادي مذهب الأشعري
ويقصد بأبي بكر : أبا الطيب الباقلاني أحد أئمة الأشاعرة.
وأبو نصر هذا هو الابن الرابع من أبناء أبي القاسم القشيري صاحب الرسالة القشيرية في التصوف ت:465هـ.
والفتنة المشار إليها في السؤال ملخصها، أن أبا نصر ابن القشيري دخل بغداد في طريقه للحج عام 469هـ، أيام عز الأشاعرة في عهد الوزير نظام الملك السلجوقي (ت:485) الذي بنى المدارس النظامية ببغداد ونيسابور ومكن للأشاعرة فيها، فلما وصل ابن القشيرى بغداد وعظ بها، وبالغ في التعصب للأشاعرة والغض من الحنابلة –على حد تعبير الذهبي- واتهمهم بالتجسيم والتشبيه، ومال إليه أبو سعد الصوفي (ت:) وأبو إسحاق الشيرازي (ت:476) فقيه الشافعية ببغداد، فثارت الفتنة بين الفريقين بسبب ذلك، فخرج للحج ثم عاد والفتنة تأجج نارها وتغلي مراجلها، حتى وصلت إلى سفك الدماء بين الفريقين، إذ هجم مجموعة من أتباع ابن القشيري المتعصبين على مسجد إمام الحنابلة الشريف أبي جعفر الهاشمي فاشتبكوا مع بعض أتباعه وسالت الدماء في هذا الاشتباك، ولما علم الوزير نظام الملك بما حدث -وهو بنيسابور- ساءه ذلك، وأصدر الخليفة أمره بعقد مجلس مصالحة بين الفريقين، فعقد المجلس، وحاول الشيرازي وأبو سعد الصوفي وابن القشيري استرضاء الشريف أبي جعفر وقبّلوا رأسه ويديه كما تذكر المصادر، إلا أنه أصر على موقفه من الأشاعرة وتبديعه لهم، واستمرت الأحداث بعد ذلك حتى تم استدعاء ابن القشيري إلى نيسابور من قبل الوزير نظام الملك لأجل إطفاء الفتنة، وتم استدعاء الشريف أبي جعفر إلى دار الخلافة للسلام عليه والتبرك بدعائه -كما قيل-!
وللقصة تفاصيل أخرى لا يتسع المجال للحديث عنها تجدها في كتب التاريخ في حوادث سنة 469-470 وفي ترجمة ابن القشيري وأبي سعد الصوفي وأبي إسحاق الشيرازي، والشريف أبي جعفر والوزير نظام الملك السلجوقي.
انظر على سبيل المثال : تاريخ نيسابور لعبد الغافر الفارسي (منتخبه للصريفيني)، وتبيين كذب المفتري لابن عساكر : 308، والمنتظم لابن الجوزي : 9/220-221، والكامل لابن الأثير: 10/587، وطبقات الحنابلة لابن أبي يعلى 3/443، ووفيات الأعيان لابن خلكان : 3/207-208، وتاريخ الإسلام للذهبي : 4/214، وسير النبلاء له 19/424،، وفوات الوفيات لابن شاكر :2/310-312، وطبقات الشافعية للسبكي: 7/159-166، وطبقات الشافعية للأسنوي: 2/302-303، البداية والنهاية لابن كثير : 16/59 وغيرها من المراجع.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ