إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان دواء الغضب
المجيب
د. أحمد بن عبد الله اليوسف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاثنين 06 شوال 1429 الموافق 06 أكتوبر 2008
السؤال

أنا فتاة أغضب كثيراً، وأنفعل سريعاً.. أرشدوني كيف أتخلص من هذه العادة الذميمة؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
كيف أتخلص من العصبية ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء. ومن الأدوية لعلاج داء الغضب: الالتزام بما ورد في الشرع لذهاب الغضب. وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة منها:
أولاً: الاستعاذة بالله من الشيطان، قال تعالى "وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" عن سليمان بن صُرَد قال: استب رجلان عند النبي صلى الله عليه وسلم وأحدهما يسب صاحبه مغضباً قد احمر وجهه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم "إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" متفق عليه.
ثانياً: تغيير الحال، عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع" رواه أحمد وأبو داود.
ثالثاً: ترك المخاصمة والسكوت. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: "إذا غضب أحدكم فليسكت". رواه أحمد.
رابعاً: الوضوء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الغضب من الشيطان؛ وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تُطفأُ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" أبو داود وأحمد.
خامساً: الإكثار من ذكر الله تعالى قال تعالى "الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ" فمن اطمئن قلبه بذكر الله تعالى كان أبعد ما يكون عن الغضب قال عكرمة في قوله تعالى "وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ" إذا غضبت.
سادساً: العمل بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أوصني. قال (لا تغضب) فردد مرارا قال (لا تغضب) (البخاري). وهنيئا لمن امتثل هذه الوصية وعمل بها، ولا شك أنها وصية جامعة مانعة لجميع المسلمين، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي" قوله: (لا تغضب) يتضمن أمرين عظيمين: أحدهما: اجتناب أسباب الغضب ودواعيه، والتمرن على حسن الخلق، والحلم والصبر، وتوطين النفس على ما يصيب الإنسان من الخلق، من الأذى القولي والفعلي. فإذا وفق لها العبد، وورد عليه وارد الغضب، احتمله بحسن خلقه، وتلقاه بحلمه وصبره، ومعرفته بحسن عواقبه. الثاني: الأمر -بعد الغضب- أن لا ينفذ غضبه: فعليه إذا غضب أن يمنع نفسه من الأقوال والأفعال المحرمة التي يقتضيها الغضب".
سابعاً: النظر في نتائج الغضب، فكثير الغضب تجده مصابا بأمراض كثيرة كالسكري والضغط والقولون العصبي وغيرها مما يعرفها أهل الاختصاص، كما أنه بسببه تصدر من الغاضب تصرفات قولية أو فعلية يندم عليها بعد ذهاب الغضب.. روي عن علي رضي الله عنه أنه قال " لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، ولذة التشفي يلحقها ذم الندم ".
ثامناً: أن تعلم أن القوة في كظم الغيظ ورده يا من دعاك الشيطان إلى الانتقام ممن أغضبك بالسب والشتم، أو الاعتداء باليد ونحو ذلك تَذكَّر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الشديد بالصُّرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" متفق عليه. وتذكر قوله تعالى: "ادفع بالتي هي أحسن" قال ابن عباس: الصبر عند الغضب، والعفو عند الإساءة. وكان السلف يتواصون بكظم الغيظ عند احتدام أواره واضطرام ناره مجتنبا عزة الغضب الصائرة إلى ذلة الاعتذار. فمنع الغضب أسهل من إصلاح ما يفسده قال ابن حبان "سرعة الغضب من شيم الحمقى، كما أن مجانبته من زي العقلاء، والغضب بذر الندم فالمرء على تركه قبل أن يغضب أقدر على إصلاح ما أفسد به بعد الغضب".
تاسعاً: قال ابن حبان "لو لم يكن في الغضب خصلة تذم إلا إجماع الحكماء قاطبة على أن الغضبان لا رأي له لكان الواجب عليه الاحتيال لمفارقته بكل سبب" ا.هـ لذا فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان" متفق عليه. ومن عَزَب عنه الحلم فاتقاد لغضبه ضلَّ عنه وجه الصواب فيه، وضعف رأيه عن خبرة أسبابه ودواعيه حتى يصير بليد الرأي، ضعيف الفهم، وقد يكون صاحب حقٍّ فيضيعه بغضبه.
عاشراً: الدعاء: وهو من أعظم ما يضبط النفس، فالدعاء سلاح، أن يلح الإنسان على الله بالدعاء أن يرزقه حلما وعلما ويقينا وثباتا. فاحرص بارك الله فيك على ذلك وعوِّد نفسك على هذا العلاج النبوي؛ وإياك أن تغفل عنه متى ما شعرت بالغضب حتى لا تندم ولات ساعة مندم. متى رأيت صاحبك قد غضب وأخذ يتكلم بما لا يصلح، فلا تؤاخذه به، فإن حاله حال السكران لا يدري ما يجري، بل اصبر ولو فترة، ولا تعول عليها، فإن الشيطان قد غلبه، والعقل قد استتر، ومتى أخذت في نفسك عليه، أو أجبته بمقتضى فعله، كنت كعاقل واجه مجنوناً، بل انظر إليه بعين الرحمة، واعلم أنه إذا انتبه ندم على ما جرى، وعرف لك فضل الصبر، وهذه الحالة ينبغي أن يتلمحها الولد عند غضب والده، والزوجة عند غضب الزوج، فتتركه يشفي بما يقول، ولا تعول على ذلك، فسيعود نادماً معتذراً، ومتى قوبل على حالته ومقالته صارت العداوة متمكنة، وأكثر الناس على غير هذا الطريق، متى رأوا غضبان قابلوه بما يقول ويعمل وهذا على غير مقتضى الحكمة، فالغضب مفتاح كل شر، فالله أسأل أن يُجنبنا وإياكم أسباب الغضب ودواعيه، وأن يكفينا مكر الشيطان ووساوسه. ومما يعين على تجنب آثار الغضب: استحضار الأجر العظيم لكظم الغيظ، فمن استحضر الثواب الكبير الذي أعده الله تعالى لمن كتم غيظه وغضبه كان سببا في ترك الغضب والانتقام للذات، وبتتبع بعض الأدلة من الكتاب والسنة نجد جملة من الفضائل لمن ترك الغضب منها:
1- الظفر بمحبة الله تعالى، والفوز بما عنده قال تعالى "وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".
2- ترك الغضب سبب لدخول الجنة.. عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: (لا تغضب ولك الجنة).
3- زيادة الإيمان قال النبي صلى الله عليه وسلم "ما كظم عَبدٌ لله إلا ملأ جوفه إيماناً" رواه أحمد. والنجاة من غضب الله، فالجزاء من جنس العمل، ومن ترك شيئا لله عوضه الله تعالى خيرا منه. يا من اشتعلت جمرة الغضب في قلبك، تَذكَّر ما جاء في ثواب العفو وفضل كظم الغيظ، واحرص على ألا يفوتك أجر ذلك وثوابه. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ