إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان استثمار زكاة الأموال
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ الثلاثاء 28 شوال 1429 الموافق 28 أكتوبر 2008
السؤال

هل يجوز استثمار زكاة الأموال؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
لا يخلو الأمر من ثلاث حالات: الأولى أن يكون المستثمر هو الفقير بعد استلامه الزكاة من داخلها. والحالة الثانية: أن يكون المستثمر هو مخرج الزكاة. الحالة الثالث: أن يكون المستثمر هو المؤسسة الخيرية، أو ولي الأمر الذي هو الوكيل في قبض الزكاة من مخرجها.
أما الحالة الأولى: وهي أن يكون المستثمر للزكاة هو الفقير نفسه (صاحبها) فلا أعرف أحداً من العلماء قديماً أو حديثاً منع ذلك؛ لأنها دخلت في ملك الفقير، وله كامل التصرف فيها: بادخارها أو بيعها وهبتها أو استثمارها عن طريق الاتجار أو المساهمة ونحو ذلك: أما الحالتان الثانية والثالثة فالبحث فيهما مبني على حالتين:
1- هل الزكاة واجبة على الفور أو على التراخي؟
2- ثم هل الزكاة تجب في عين المال أو في الذمة؟
فعند الأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد: الزكاة واجبة على الفور، وعند أبي حنيفة هي على التراخي. ومذهب جمهور الفقهاء أن الزكاة واجبة في عين المال، وذهب الشافعي في القديم، وأحمد في رواية عنه، وابن حزم في المحلى: أن الزكاة واجبة في الذمة لا في عين المال، ورجحها ابن قدامة في كتابه المغني. وتظهر فائدة الخلاف في هاتين المسألتين: أن من يقول: إن الزكاة واجبة على الفور وفي عين المال دون الذمة. إذا استثمر مخرج الزكاة أو الوكيل في قبضها حق الفقير مع ماله الخاص، فإن حصل ربح فللمستثمر، أو خسارة فعليه، وليس للفقير أو عليه شيء من ذلك؛ لأن المستثمر أخر الزكاة ولم يعطها مستحقيها، والمستثمر غير مالك للمال حقيقة، فله الغنم وعليه العزم.
أما من يقول إن الزكاة واجبة على التراخي وفي الذمة لا في عين المال فإن الفقير يشارك المستثمر بالربح والخسارة ما لم يكن منه تفريط يضر بالفقير، وهذا هو الأصلح لحال الفقير.
ومن الأدلة على جواز استثمار زكاة الأموال حديث أنس بن مالك في الصحيحين في قصة العرنيين الذين قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أصابتهم الحمر واسترخموا الأرض، فأمرهم الرسول –صلى الله عليه وسلم- أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها.. الحديث. ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم استثمر أموال الزكاة، فجعل لها حمى خاصاً ترعى فيه، وراعياً يقوم عليها.
ومن الأدلة أيضاً ما أخرجه مالك في الموطأ، والبيهقي في السنن أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب خرجا في جيش إلى العراق، فلما مرا على أبي موسى الأشعري (وهو أمير البصرة آنذاك) فرحب بهما وسهّل، ثم قال: لو أقدر على أمر أنفعكما فيه لفعلت، ثم قال: بلى ها هنا مال من مال الله أريد أن أبعث به إلى أمير المؤمنين فأسلفكما إياه، فتبتاعان به متاعاً من متاع العراق، ثم تبيعانه بالمدينة، فتؤديان رأس المال إلى أمير المؤمنين، فيكون الربح لكما، فقالا: وردنا ذلك ففعل وكتب إلى عمر بن الخطاب أن يأخذ من المال. فلما خدما المدينة باعا -وربما قال رفعا- ذلك إلى عمر، قال: أكل الجيش أسلفه؟ مثل ما أسلفكما قالا: لا. فقال عمر بن الخطاب: ابنا أمير المؤمنين فأسلفكما!! أديا المال وربحه قال عبد الله: فسكت، وأما عبيد الله فقال: ما ينبغي لك يا أمير المؤمنين هذا لو نقص هذا المال أو هلك لضمناه. فقال عمر: أدياه فسكت عبد الله وراجعه عبيد الله فقال رجل من جلسائه يا أمير المؤمنين لو جعلت قراضا، فأخذ عمر رأس المال ونصف ربحه، وأخذ عبد الله وعبيد الله النصف الآخر)اهـ.
ووجه الاستدلال: إجازة الخليفة الراشد عمر بن الخطاب تصرف واليه على البصرة في استثمار المال العام لنفع خاص مع ضمان رأس المال –واستثمار أموال الزكاة دون تمليك لفرد معين –من هذا الباب، ويحتمل أن هذا المال من والي البصرة إنما هو مال الزكاة فائض عن مستحقيه، فأراد نقلها إلى المدينة ليمكن صرفه فيها. وأخذ عمر نصف الربح من ابنيه إنما هو من باب الورع، وربما لو لم يكن ولديه لما قاسمهما الربح، واكتفى برأس المال فقط. ويمكن أن يقال أيضاً: إن مال الزكاة ليس بأشد حرمة من مال اليتيم الذي نهى الله عنه بقوله "إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيرا". ومع هذا فإن الإجماع قائم على أن الناظر والوصي على اليتيم يقوم بحفظ ماله ويستصلحه كما يحفظ مال نفسه بل أشد، قال تعالى: "وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا" [النساء:6].
وقد أجاز استثمار أموال الزكاة عدد من المجامع والمجالس الفقهية كمجمع الفقه الإسلامي الدولي بجده في دورته الثالثة المنعقدة في عمّان عام 1407هـ. والندوة الأولى لقضايا الزكاة المعاهدة المنعقدة بالقاهرة عام 1409هـ. وعلى هذا يجوز استثمار مال الزكاة بالشروط الآتية:
1- إن يكون الاستثمار للمال الزائد عن سد حاجة الفقراء الضرورية من أكل وشرب ولباس ونحو ذلك.
2- لا يجوز لأصحاب –المال- الفقراء أو المستثمر له بيعه أو نقل ملكيته لأي شخص حقيقي أو اعتباري؛ لأن ملكية الفقير له هذه ليست ملكية فردية بل جماعية غير معينة.
3- الحرص على تشغيل هذا المال بما هو مظنة لجلب الربح والمحافظة على رأس المال معاً.
4- لا يجوز أن تستثمر أموال الزكاة هذه بحرام، كالربا أو تصنيع الخمر أو بيعها وتسويقها ونحو ذلك من المحرمات.
5- لابد من توثيق ذلك في عقود شرعية عند القاضي الشرعي. ولا بأس لمن يقوم بتشغيل هذه الأموال أن يفرض له القاضي منها أجرة ومصاريف إدارية مقابل هذا الاستثمار.
وقد بسطت الأدلة في كتابي (مصرف وفي سبيل الله بين العموم والخصوص) فليراجعه من شاء. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ