إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل النفس الواحدة هي آدم؟
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الخميس 01 ذو القعدة 1429 الموافق 30 أكتوبر 2008
السؤال

تقوم المسيحية على صلب عيسى فداءً للبشر من ذنب آدم، وفي القرآن الكريم غاية التكريم لآدم، وأن الإنسان لا يُحاسب بذنب غيره، ومع ذلك قالوا: إن القرآن يتهم آدم بالشرك في قوله تعالى: (هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماّ تَغَشّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرّتْ بِهِ فَلَمّآ أَثْقَلَتْ دّعَوَا اللّهَ رَبّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لّنَكُونَنّ مِنَ الشّاكِرِينَ فَلَمّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ)، فهل السياق عن آدم؛ أم هو بريء؟ والنفس الواحدة حالة يمر بها كل إنسان قد يفسرها اليوم علم الأجنة، وحينئذ لا صلب ولا فداء مبني على اتهام آدم وزوجته عليهما السلام بالشرك؛ حيث لا تهمة من الأساس؟ أفتونا مأجورين.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛ إجابةً على التساؤل: في قوله تعالى: "هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماّ تَغَشّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرّتْ بِهِ فَلَمّآ أَثْقَلَتْ دّعَوَا اللّهَ رَبّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لّنَكُونَنّ مِنَ الشّاكِرِينَ. فَلَمّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ" [الأعراف189-190]؛ إذا كان المُرَاد من (نفس واحدة) آدم عليه السلام فكيف يسلك مسير الشرك وهو من الأنبياء المصطفين، وإذا كان السياق يتعلق ببيان نشأة الجنسين ويعني حالة غير متميزة الجنس يمر بها كل إنسان وهو جنين هي مبتدأ الزوجين؛ الذكر والأنثى، فيدفع اتهام نبي كريم بالشرك؛ فهل يؤيد علم الأجنة هذا الوجه؟)؛ أقول مستعينا بالعلي القدير، سائله تعالى التوفيق والسداد:
1- بينة علمية على الوحي:
في قوله تعالى: "هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَماّ تَغَشّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرّتْ بِهِ فَلَمّآ أَثْقَلَتْ دّعَوَا اللّهَ رَبّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لّنَكُونَنّ مِنَ الشّاكِرِينَ. فَلَمّآ آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلاَ لَهُ شُرَكَآءَ فِيمَآ آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللّهُ عَمّا يُشْرِكُونَ" [الأعراف189-190]؛ شاع في التفسير نقل حمل التعبير بالتأنيث والتنكير (نّفْسٍ وَاحِدَةٍ) على آدم عليه السلام، وحمل التعبير الدال على مذكر (زوجها) و(تغشاها) على زوجته، وقد استشكل هذا الوجه فضلا عن اتهام نبي كريم بالشرك، ولذا ورد عن الأعلام حمل السياق على تكون الجنسين وحمل (نّفْسٍ وَاحِدَةٍ) على الهيئة الإنسانية؛ يعني خلال التخليق قبل اتضاح علامات الذكورة، والحقيقة بالفعل هي أن علامات الذكورة لا تتضح إلا مع نشاط الخصيتين بعد حوالي ثمانية أسابيع، ولذا تسمى المرحلة قبل تميز الجنس بمرحلة عدم تميز الجنس Gender Indifferent Stage، وتتأكد تماما مظاهر الذكورة Masculinity في بداية الشهر الثالث نتيجة لإفراز هرمون الذكورة Testosterone من الخصيتين طبقا لتعليمات المورثات Chromosomes الحاملة لبرنامج تكوين الإنسان المقبل وتقدير جنسه؛ وإلا تأكد التأنيث Feminization في الشهر الرابع، واستمر الجنين بنسق هيئة التأنيث المفترضة ابتداءً Default mode، وبهذا يترجح قول المحققين، وتتحقق المطابقة التامة مع الحقيقة العلمية الغائبة زمن التنزيل ولعصور طويلة تلت؛ فضلا عن دفع تهمة الشرك كليًّا عن نبي نال كل تكريم في الكتاب العزيز، وبدون الاضطرار إلى التكلف، وتلمس الأعذار، كحمل النكرة على عَلَم، وحمل ضمير التأنيث على مذكر والعكس.


2- خلاصة نفيسة تؤكد إمكان تعلق الآية ببيان تميز جنس الجنين:
قال فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين المتوفى سنة 1421هـ (رحمه الله تعالى) في فتاويه بتحقيق فهد بن ناصر السليمان (ج10/ص74-84): "تجد المرأة التي لا يأتيها الولد تأتي إلى قبر الولي الفلاني..، فتقول: يا سيدي فلان ارزقني ولداً..، وفي قوله: "فلما آتاهما" نقد لاذع أن يجعلا في هذا الولد شريكا مع الله..، و(لكن).. الآية وحدها دالة على أن قوله "خلقكم من نفس واحدة" أي من جنس واحد، وليس فيها تعرض لآدم وحواء بوجه من الوجوه، ويكون السياق فيهما جاريا على الأسلوب العربي الفصيح الذي له نظير في القرآن كقوله تعالى: "لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ"؛ أي من جنسهم، وبهذا التفسير الواضح البين يسلم الإنسان من إشكالات كثيرة، أما على القول.. بأن المراد بقوله تعالى "من نفس واحدة".. آدم "وجعل منها زوجها" حواء فيكون معني الآية خلقكم من آدم وحواء..، وهذا التفسير منطبق على المروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وسنبين إن شاء الله تعالى وجه ضعفه وبطلانه، وهناك قول ثالث أن المراد بقوله تعالى "من نفس واحدة" أي آدم وحواء، "فلما تغشاها": انتقل من العين إلى النوع؛ أي من آدم إلى النوع الذي هم بنوه..، (وعلى هذا فأول الآية في آدم وحواء، ثم صار الكلام من العين إلى النوع، وهذا التفسير له وجه، وفيه تنزيه آدم وحواء من الشرك لكن فيه شيئًا من الركاكة لتشتت الضمائر).
وأما قوله تعالى "فتعالى الله عما يشركون" فجمع لأن المراد بالمثنى اثنان من هذا الجنس، فصح أن يعود الضمير إليهما مجموعاً، كما في قوله تعالى: "وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا" ولم يقل اقتتلتا؛ لأن الطائفتين جماعة، و(أما المروي) عن ابن عباس في الآية قال: (لما تغشاها آدم حملت فأتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة؛ لتطيعاني أو لأجعلن له قرني أيل..، سمياه عبد الحارث، فأبيا أن يطيعانه فخرج ميتاً)..، وذُكر معناه عن الحسن، لكن الصحيح أن الحسن رحمه الله قال: إن المراد بالآية غير آدم وحواء، وإن المراد بها المشركون من بني آدم، كما ذكر ذلك ابن كثير رحمه الله في تفسيره وقال: (أما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء، وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته)، وهذه القصة باطلة من وجوه.
الوجه الأول: أنه ليس في ذلك خبر صحيح عن النبي صلي الله عليه وسلم، وهذا من الأخبار التي لا تتلقى إلا بالوحي، وقد قال ابن حزم عن هذه القصة: إنها رواية خرافة مكذوبة موضوعة.
الوجه الثاني: أنه لو كانت هذه القصة في آدم وحواء لكان حالهما إما أن يتوبا من الشرك أو يموتا عليه، فإن قلنا ماتا عليه كان ذلك أعظم من قول بعض الزنادقة..، فمن جوز موت أحد من الأنبياء على الشرك فقد أعظم الفرية، وإن كانا تابا من الشرك فلا يليق بحكمة الله وعدله ورحمته أن يذكر خطأهما، ولا يذكر توبتهما منه، فيمتنع غاية الامتناع أن يذكر الله الخطيئة من آدم وحواء وقد تابا، ولم يذكر توبتهما، والله تعالى إذا ذكر خطيئة بعض أنبيائه ورسله ذكر توبتهم منها، كما في قصة آدم نفسه، حين أكل من الشجرة وزوجه وتابا من ذلك.
الوجه الثالث: أن الأنبياء معصومون من الشرك باتفاق العلماء.
الوجه الرابع: أنه ثبت في حديث الشفاعة أن الناس يأتون إلى آدم يطلبون منه الشفاعة، فيعتذر بأكله من الشجرة وهو معصية؛ ولو وقع منه الشرك لكان اعتذاره به أقوى وأولى وأحرى.
الوجه الخامس: أن في هذه القصة أن الشيطان جاء إليهما، وقال: (أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة)، وهذا لا يقوله من يريد الإغواء، وإنما يأتي بشيء يقرب قبول قوله، فإذا قال: (أنا صاحبكما الذي أخرجكما من الجنة) فسيعلمان علم اليقين أنه عدو لهما، فلا يقبلان منه صرفاً ولا عدلاً.
الوجه السادس: أن في قوله في هذه القصة (لأجعلن له قرني إيل) إما أن يصدقا أن ذلك ممكن في حقه فهذا شرك في الربوبية؛ لأنه لا يقدر على ذلك إلا الله، أو لا يصدقا فلا يمكن أن يقبلا قوله وهما يعلمان أن ذلك غير ممكن في حقه.
الوجه السابع: قوله تعالى: (فتعالى الله عما يشركون) بضمير الجمع؛ ولو كان آدم وحواء لقال (عما يشركان)، فهذه الوجوه تدل على أن هذه القصة باطلة من أساسها، وأنه لا يجوز أن يعتقد في آدم وحواء أن يقع منهما شرك بأي حال من الأحوال، والأنبياء منزهون عن الشرك، مبرؤون منه باتفاق أهل العلم، وعلى هذا فيكون تفسير الآية -كما أسلفنا- أنها عائدة إلى بني آدم الذي أشركوا شركاً حقيقياً؛ فإن منهم مشركاً ومنهم موحداً".
وفي الحقيقة قد أعفاك فضيلته (رحمه الله تعالى) من دوامة الحيرة في التفسير بمختلف المدارس، ومنحك الثمرة ناضجة بجرأة وحسم المحققين وتحرر تام من التقليد في خلاصة نفيسة تؤكد أن الآية تحكي قصة تكون جنسي الجنين في النوع الإنساني مما يتفق مع الحقيقة الراسخة اليوم في علم الأجنة؛ وهي أن الذكورة عملية خلق يتحول فيها البدن المؤنث شكلا الغير مؤكد الجنس وإلا تأكد التأنيث من بعد، وقد كان بودي أن أجول بك عبر العصور في خواطر الأعلام لتدرك كم بذلوا في تحرير الدلالة، ولكني سأعفيك بدوري من العناء تأسِّيًا بالشيخ الكريم، وأتخير لك من بساتينهم ثمرات تُحرر الدلالة جليَّة قبل أن تُؤكدها اليوم الحقيقة العلمية؛ لتشهد للقرآن الكريم بالوحي، وتقطع بصدق نبوة خاتم النبيين عليه الصلاة وأتم التسليم.
3- تاريخ مجيد للمفسرين في تحرير الدلالة:
قال أبو جعفر النحاس المتوفى سنة 338 هـ (معاني القرآن ج3ص116): قال تعالى "فتعالى الله عما يشركون"..، أي عما يشرك الكفار، ويدل على هذا "أيشركون ما لا يخلق شيئا" يعني الأصنام، وروي عن عكرمة أنه قال لم يخص بهذا آدم وحواء وحدهما، والتقدير على هذا الجنس كله؛ أي خلق كل واحد منكم "من نفس واحدة" و"جعل منها" أي من جنسها زوجها، "فلما تغشاها" على الجنس كله، وكذا "دعوا" يراد به الجنسان الكافران، ثم حمل "فتعالى الله عما يشركون" على معنى الجميع، فهذا أولى والله أعلم من أن ينسب إلى الأنبياء عليهم السلام مثل هذا"، و(ج5ص151): "المعنى خلق لكم من جنسكم أزواجا..، ومثله قوله جل وعز "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها"..، أي جعل من جنسها زوجها، ودل هذا على الجنسين جميعا، ويكون الضمير في قوله تعالى "جعلا له شركاء فيما آتاهما" يعود على الجنسين، والضمير في قوله "يشركون" يعود على الجنسين لأنهما جماعة"، ولذا (إعراب القرآن ج1ص413): قيل: هو الذي خلقكم من نفس واحدة ومن هيئة واحدة وشكل واحد، وجعل منها زوجها؛ أي من جنسها، "فلما تغشاها" يعني الجنسين، وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء في الآية ذكر"، وقال أبو إسحاق الثعلبي المتوفى سنة 427هـ في تفسيره (ج5ص494): "قال قوم من أهل العلم إن هذا راجع إلى المشركين من ذرية آدم، وإن معناه جعل أولادهما له شركاء..، ويدل عليه ما روى معمر عن الحسن قال: عني بهذا من أشرك من ذرية آدم ولم يكن يعنى آدم، وروى قتادة عنه قال: هم اليهود والنصارى..، وقال ابن كيسان: هم الكفار جعلوا لله شركاء..، وقال عكرمة: لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع بني آدم..، قال الحسين بن الفضل: وهذا محبب إلى أهل النظر لما في القول الأول من إلصاق العظائم بنبي الله آدم عليه السلام، ويدل عليه جمعه في الخطاب حيث قال "هُوَ الَّذِى خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ" ثمّ قال "فَلَمَّا تَغَشَّاهَا"؛ انصرف من ذلك الخطاب إلى الخبر، يعني فلما تغشى الرجل منكم امرأته"، وقال السمعاني المتوفى سنة 489 هـ في تفسيره (ج2ص209): "جعلا له شركاء فيما آتاهما"..، هذا في جميع بني آدم، قال عكرمة: وكأن الله يخاطب به كل واحد من الخلق بقوله: "هو الذي خلقكم من نفس واحدة" يعني: خلق كل واحد..، "وجعل منها زوجها": أي جعل من جنسها زوجها "ليسكن إليها"؛ يعني كل زوج إلى زوجته..، وهذا قول حسن في الآية"، وقال ابن عطية المتوفى سنة 541هـ في المحرر الوجيز (ج3ص134): "قال قوم إن المعنى في هذه الآية التبيين عن حال الكافرين فعدد النعم التي تعم الكافرين وغيرهم من الناس..، وذلك أنه قال مخاطباً لجميع الناس "هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها"..، فهذه نعمة تخص كل أحد..، ثم جاء قوله: "فلما تغشاها" إلى آخر الآية وصفاً لحال الناس واحداً واحداً..، فإذا آتاهم الله الولد صالحاً سليماً كما (أرادوا) صرفاه عن الفطرة إلى الشرك..، قال القاضي أبو محمد..: جاء قوله: "فلما تغشاها" إلى آخر الآية وصفاً لحال الناس واحداً واحداً..، (وقد) يُقال إن الآية.. في آدم وحواء..؛ أطاعا إبليس في التسمية بعبد الحارث..، وأسند الطبري في ذلك حديثاً من طريق سمرة بن جندب..، (و) قوله تعالى: "فتعالى الله عما يشركون.." كلام منفصل ليس من الأول.. يراد به مشركو العرب، (ولكن) قال القاضي أبو محمد: وهذا تحكم لا يساعده اللفظ..، (و) الآية.. إنما الغرض منها تعديد النعمة في الأزواج، وفي تسهيل النسل والولادة..، (و) قوله "فتعالى الله عما يشركون" المراد بالضمير فيه المشركين، والمعنى في هذه الآية فلما آتى الله هذين الإنسانين صالحاً أي سليماً ذهبا به إلى الكفر..، وهي بينة على هذا التأويل الأخير، وقلقة على قول من يقول إن الآية الأولى في آدم وحواء..، وذكر الطبري في قصص حواء وآدم وإبليس في التسمية بعيد الحارث.. أشياء طويلة".
وقال القاضي ابن العربي المتوفى سنة 543هـ في أحكام القرآن (ج4ص59): "قَوْله تَعَالَى: "هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ"..؛ فِي الْمَعْنِيِّ بِهَا.. قَوْلَانِ، (أَحَدُهُمَا): أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ حَوَّاءُ الْأُمُّ الْأُولَى..، لَمَّا وَلَدَتْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ سَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ بِإِشَارَةِ إبْلِيسَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا وَكَانَ اسْمُهُ.. الْحَارِثَ، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: "جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا"، وَذَلِكَ مَذْكُورٌ وَنَحْوُهُ فِي ضَعِيفِ الْحَدِيثِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ، وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ كَثِيرٌ لَيْسَ لَهَا ثَبَاتٌ وَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ قَلْبٌ؛ فَإِنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِنْ كَانَ غَرَّهُمَا بِاَللَّهِ الْغَرُورُ فَلَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ، وَمَا كَانَا بَعْدَ ذَلِكَ لِيَقْبَلَا لَهُ نُصْحًا وَلَا يَسْمَعَا مِنْهُ قَوْلًا، (الثَّانِي): أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا جِنْسُ الْآدَمِيِّينَ فَإِنَّ حَالَهُمْ فِي الْحَمْلِ وَخِفَّتِهِ وَثِقَلِهِ (كذلك)..، وَإِذَا خَفَّ عَلَيْهِمْ الْحَمْلُ اسْتَمَرُّوا بِهِ؛ فَإِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ نَذَرُوا كُلَّ نَذْرٍ فِيهِ، فَإِذَا وُلِدَ لَهُمْ ذَلِكَ الْوَلَدُ جَعَلُوا فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ شُرَكَاءَ..، حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى الْأَصْنَامِ، وَيَجْعَلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ..، وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالْحَقِّ وَأَقْرَبُ إلَى الصِّدْقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَعُمُومُهَا الَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ مُتَنَاوَلَاتِهَا وَيَسْلَمُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ عَنْ النَّقْصِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِجُهَّالِ الْبَشَرِ فَكَيْفَ بِسَادَتِهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ".
وقال الرازي المتوفى سنة 606هـ في تفسيره (ج2ص31-35): "قوله تعالى: "لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين"..؛ الآية على جميع التقديرات تدل على أن النبي لا يكون مذنباً..، (وقد) تمسكوا بالطعن في اعتقاد آدم عليه السلام بقوله: "هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا"..؛ قالوا: لا شك أن النفس الواحدة هي آدم وزوجها المخلوق منها هي حواء..، فقوله: "جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء" يقتضي صدور الشرك عنهما، والجواب: لا نسلم أن النفس الواحدة هي آدم وليس في الآية ما يدل عليه..، (و) التكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة بل هو عام في حق جميع العالمين، وإذا كان لفظ الناس عاما في الكل، وكان الأمر بالتقوى عاما في الكل، وكانت علة هذا التكليف -وهي كونهم خلقوا من النفس الواحدة- عامة في حق الكل كان القول بالتخصيص في غاية البعد..، (و) اختيار أبي مسلم الأصفهاني أن المراد من قوله: "وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا" أي من جنسها، وهو كقوله تعالى: "والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا" وكقوله: "إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مّنْ أَنفُسِهِمْ" وقوله: "لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ"..، فلما ثبت أنه تعالى قادر على خلق آدم من التراب كان قادرا أيضا على خلق حواء من التراب، وإذا كان الأمر كذلك؛ فأي فائدة في خلقها من ضلع من أضلاع آدم!"، و(ج7ص329): "المروي.. "هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة".. هي نفس آدم "وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا" أي حواء خلقها الله من ضلع آدم عليه السلام..، "فَلَمَّا تَغَشَّاهَا" آدم "حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفًا فَلَمَّا أَثْقَلَت" أي ثقل الولد في بطنها أتاها إبليس في صورة رجل وقال: ما هذا يا حواء إني أخاف أن يكون كلباً أو بهيمة..، "فَلَمَّا ءاتاهما صالحا جَعَلاَ لَهُ شُرَكَاء فِيمَا ءاتاهما" أي لما آتاهما الله ولداً سوياً صالحاً جعلا له شريكاً؛ أي جعل آدم وحواء له شريكاً..، واعلم أن هذا التأويل فاسد ويدل عليه وجوه: (الأول): أنه تعالى قال: "فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ"؛ وذلك يدل على أن الذين أتوا بهذا الشرك جماعة، (الثاني): أنه تعالى قال بعده: "أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ"؛ وهذا يدل على أن المقصود من هذه الآية الرد على من جعل الأصنام شركاء لله تعالى..، (الثالث): لو كان المراد إبليس لقال: (أيشركون من لا يخلق شيئاً) ولم يقل (ما لا يخلق شيئاً) لأن العاقل إنما يذكر بصيغة (من) لا بصيغة (ما)، (الرابع): أن آدم عليه السلام كان أشد الناس معرفة بإبليس، وكان عالماً بجميع الأسماء كما قال تعالى: "وَعَلَّمَ ءادَمَ الأسماء كُلَّهَا" فكان لا بد وأن يكون قد علم أن اسم إبليس هو الحرث فمع العداوة الشديدة التي بينه وبين آدم ومع علمه بأن اسمه هو الحرث كيف سمى ولد نفسه بعبد الحرث! وكيف ضاقت عليه الأسماء حتى أنه لم يجد سوى هذا الاسم!، (الخامس): أن الواحد منا لو حصل له ولد.. فجاءه إنسان ودعاه إلى أن يسميه بمثل هذه الأسماء لزجره وأنكر عليه أشد الإنكار؛ فآدم عليه السلام مع نبوته وعلمه الكثير.. وتجاربه الكثيرة التي حصلت له بسبب الزلة التي وقع فيها لأجل وسوسة إبليس كيف لم يتنبه لهذا القدر؟ وكيف لم يعرف أن ذلك من الأفعال المنكرة التي يجب على العاقل الاحتراز منها؟! (السادس): أن بتقدير أن آدم عليه السلام سماه بعبد الحرث، فلا يخلو إما أن يقال إنه جعل هذا اللفظ اسم علم له، أو جعله صفة له..، فإن كان الأول لم يكن هذا شركاً بالله؛ لأن أسماء الأعلام والألقاب لا تفيد في المسميات فائدة..، وإن كان الثاني كان هذا قولاً بأن آدم عليه السلام اعتقد أن لله شريكاً في الخلق والإيجاد والتكوين وذلك يوجب الجزم بتكفير آدم؛ وذلك لا يقوله عاقل، فثبت بهذه الوجوه أن هذا القول فاسد، ويجب على العاقل المسلم أن لا يلتفت إليه، إذا عرفت هذا فنقول: في تأويل الآية وجوه صحيحة سليمة خالية عن هذه المفاسد، (التأويل الأول): ما ذكره القفال فقال: إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم وقولهم بالشرك، وتقدير هذا الكلام كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته وظهر الحمل دعا الزوج والزوجة ربهما لئن آتيتنا ولداً صالحاً سوياً لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك، فلما آتاهما الله ولداً صالحاً سوياً جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان كما هو قول عبدة الأصنام، ثم قال تعالى: "فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ"؛ أي تنزه الله عن ذلك الشرك، وهذا جواب في غاية الصحة والسداد، (التأويل الثاني): بأن يكون الخطاب لقريش..، (التأويل الثالث): أن نسلم أن هذه الآية وردت في شرح قصة آدم عليه السلام، وعلى هذا التقدير ففي دفع هذا الإشكال وجوه..، "فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ" أي تعالى الله عن شرك هؤلاء المشركين الذين يقولون بالشرك وينسبونه إلى آدم عليه السلام..، (أو) نقول..: "جعلا له شركاء" أي جعل أولادُهما له شركاء..، لأن (أولادهما) قسمان ذكر وأنثى، فقوله "جَعَلاَ" المراد منه الذكر والأنثى؛ مرة عبر عنهما بلفظ التثنية لكونهما صنفين ونوعين، ومرة عبر عنهما بلفظ الجمع وهو قوله تعالى: "فتعالى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ"..، (و) قيل: إنه تعالى لما آتاهما الولد الصالح عزما على أن يجعلاه وقفاً على خدمة الله وطاعته وعبوديته على الإطلاق، ثم بدا لهم في ذلك، فتارة كانوا ينتفعون به في مصالح الدنيا ومنافعها، وتارة كانوا يأمرونه بخدمة الله وطاعته..، وعلى هذا التقدير فالإشكال زائل..، (أو) سموا بعبد الحرث لأجل أنهم اعتقدوا أنه إنما سلم من الآفة والمرض بسبب دعاء ذلك الشخص المسمى بالحرث، وقد يسمى المنعم عليه عبداً للمنعم..، فآدم وحواء عليهما السلام سميا ذلك الولد بعبد الحرث تنبيهاً على أنه إنما سلم من الآفات ببركة دعائه، وهذا لا يقدح في كونه عبد الله من جهة أنه مملوكه ومخلوقه..، فلما حصل الاشتراك في لفظ العبد لا جرم صار آدم عليه السلام معاتباً في هذا العمل بسبب الاشتراك الحاصل في مجرد لفظ العبد، فهذا جملة ما نقوله في تأويل هذه الآية..، (و) قوله: "نَّفْسٍ واحدة" المشهور أنها.. آدم، وقوله: "وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا" المراد حواء..، خلقها من ضلع من أضلاع آدم..، وأقول هذا الكلام مشكل لأنه تعالى لما كان قادراً على أن يخلق آدم ابتداء فما الذي حملنا على أن نقول أنه تعالى خلق حواء من جزء أجزاء آدم!، ولم لا نقول: إنه تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء!، وأيضاً الذي يقدر على خلق إنسان من عظم واحد فلم لا يقدر على خلقه ابتداء!، وأيضاً الذي يقال: إن عدد أضلاع الجانب الأيسر أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن فيه مؤاخذة تنبي عن خلاف الحس والتشريح، بقي أن يقال..: فما المراد من كلمة (مِنْ) في قوله: "وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا"؟؛ فنقول..: ليس المراد بذلك الفرد المعين بل المراد بذلك.. النوع..، والمراد خلق.. من النوع الإنساني (زوجها الذكر)..، إنساناً (مثلها)، (و)قوله: "فَلَمَّا تَغَشَّاهَا"..؛ الغشيان إتيان الرجل المرأة.. إذا علاها.. (فزوجها هو نفسه الذي تغشاها)، (أو) يعني آدم وحواء..، هذا إذا حملنا هذه الآية على (هذه) القصة المشهورة، أما إذا لم نقل (بها) فلا حاجة إلى التأويل".
وقال القرطبي المتوفى سنة 671 هـ في تفسيره (ج7ص297): "قال قوم إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام؛ وهو الذي يعول عليه، فقوله: (جعلا له) يعني الذكر والأنثى الكافرين ويعنى به الجنسان، ودل على هذا (فتعالى الله عما يشركون) ولم يقل يشركان، وهذا قول حسن، وقيل المعنى (هو الذي خلقكم من نفس واحدة) من هيئة واحدة وشكل واحد (وجعل منها زوجها) أي من جنسها، (فلما تغشاها) يعني الجنسين، وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية، فإذا آتاهما الولد صالحا سليما سويا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك فهذا فعل المشركين..، قال عكرمة: لم يخص بها آدم ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم، وقال الحسين بن الفضل: وهذا محبب إلى أهل النظر لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله آدم".
وقال النيسابوري المتوفى سنة 728هـ في تفسيره (ج4ص44): قال "هو الذي خلقكم من نفس واحدة"؛ والمروي عن ابن عباس أنها نفس آدم..، قال مجاهد: كان لا يعيش لآدم وامرأته ولد فقال لهما الشيطان: إذا ولد لكما ولد فسمياه عبد الحرث، وكان اسم إبليس.. الحرث..، وذلك قوله..: (جعلا) يعني آدم وحوّاء "له شركاء".. (إلى) تمام القصة، وقد زيفها النقاد..، ولا قائل بإمكان نسبته إلى آدم، فعند ذلك ذكر العلماء في تأويله وجوهاً، أحدها: أن هذا مَثَل؛ فكأنه تعالى يقول (هو الذي خلقكم)؛ أي كل واحد منكم (من نفس واحدة) وجعل من جنسها زوجها إنساناً يساويه في الإنسانية يسكن أي تلك النفس، فذكر بعدما أنث.. لأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويطمئن إليها..، "دعوا" أي الزوج والزوجة..، فقالا "لئن آتيتنا صالحاً" ولداً قد صلح بدنه.. ذكراً..، لأن الذكورة.. (أقصى مطلب مُعتاد)"، وفي تفسير التسهيل لابن جزي المتوفى سنة 741هـ (ج1ص433): "جعلا له شركاء فيما آتاهما": أي لما آتاهما ولدا صالحا كما طلبا جعل أولادهما له شركاء..، (و) قيل إن حواء لما حملت جاءها إبليس وقال لها إن أطعتني وسميت ما في بطنك عبد الحارث فسأخلصه لك، وكان اسم إبليس الحارث وإن عصيتني في ذلك قتلته..، فعصته فمات الولد ثم حملت مرة ثالثة فسمياه عبد الحارث طمعا في حياته، فقوله جعلا له شركاء فيما آتاهما أي في التسمية لا غير لا في عبادة غير الله، والقول الأول أصح لثلاثة أوجه؛ أحدها أنه يقتضي براءة آدم وزوجه من قليل الشرك وكثيره، وذلك هو حال الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والثاني أنه يدل على أن الذين أشركوا هم أولاد آدم وذريته لقوله تعالى "فتعالى الله عما يشركون" بضمير الجمع، والثالث أن ما ذكروا من قصة آدم وتسمية الولد عبد الحارث يفتقر إلى نقل بسند صحيح وهو غير موجود في تلك القصة، وقيل من نفس واحدة.. من قريش، و(لكن) الظاهر أن الخطاب عام لبني آدم"، وقال ابن قيم الجوزية المتوفى سنة 751هـ في كتابه روضة المحبين (ج1/ص289): "اللذان جعلا له شركاء فيما آتاهما (هم) المشركون..، ولا يُلتفت إلى غير ذلك مِمَّا قيل إن آدم وحواء كانا لا يعيش لهما ولد فأتاهما إبليس فقال إن أحببتما أن يعيش لكما ولد فسمياه عبد الحارث ففعلا، فإن الله سبحانه اجتباه وهداه فلم يكن ليشرك به بعد ذلك!"، وفي تفسير قوله تعالى "يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً" [النساء:1]؛ قال ابن عادل المتوفى بعد سنة 880هـ (ج5ص5): "عن ابن عباس في قوله: "يا أيها الناس" أن هذا الخطاب لأهل مكة..، وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلّفين، وهذا هو الأصحُّ؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ولأنه علّل الأمر بالاتِّقَاءِ لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة، وهذه العلة موجودة في جميع المكلفين، وأيضاً فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة بل هو عام، وَإذَا كان لفظ الناس عاماً والأمر بالتقوى عاماً وعلة هذا التكليف عامةً فلا وجه للتخصيص"، وقال (ج8ص84): "قال ابنُ عبَّاسٍ: المرادُ بالنفس الواحدة آدم عليه الصلاة والسلام، "وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا" أي حواء خلقها اللَّهُ من ضلع آدم عليه الصلاة والسلام..، قال ابنُ الخطيبِ: وهذا مشكل؛ لأنَّهُ تعالى لمَّا كان قادراً على خلق آدم ابتداء فما الذي يحملنا على أن نقُولَ خلق حواء من جزء من أجزاء آدم، ولِمَ لم نقل إنَّهُ تعالى خلق حواء أيضاً ابتداء!، وأيضاً فالقادرُ على خلق الإنسان من عظم واحد لِمَ لا يقدر على خلقه ابتداء!، وأيضاً فقولهم إنَّ عدد أضلاع الجانب الأيسرِ من الذَّكرِ أنقص من عدد أضلاع الجانب الأيمن بشيء واحد على خلاف الحس والتَّشريح..، وإذا عرف ذلك فنقول..: "وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا" أي: وخلق من نوع الإنسان زوجاً..، إنساناً (مثلها)، "فلمَّا تَغشَّاهَا حَمَلَتْ..": وهو أوَّلُ ما تحمل المرأة من النُّطفةِ"، وقال (ج8ص86): "روي عن ابن عباسٍ؛ قال: (كانت حوَّاءُ تلدُ.. فيصيبهم الموتُ، فأتاهما إبليسُ وقال: إن سَرَّكُمَا أن يعيش لكما ولدٌ فسمياه عبد الحارث؛ فولدت فسمياهُ عبد الحارث فعاش)..، واعلم أن هذا التأويل فاسدٌ..، قال القفالُ رحمه الله: إنَّه تعالى ذكر هذه القصة على سبيل ضَرْب المثل، وبيان أنَّ هذه الحالة صورة حال هؤلاء المشركين..، كأنَّهُ تعالى يقولُ: هو الذي خلق كُلَّ واحد منكم من نفس واحدة وجعل من جنسها زوجها إنساناً (يساويها) في الإنسانية..، (و) قوله "أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً": هذه الآيةُ من أقوى الدَّلائل على أنَّهُ ليس المراد بقوله تعالى: "فَتَعَالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ" ما ذكروه في قصَّة إبليس إذ لو كان المرادُ ذلك لكانت هذه الآية أجنبية عنها بالكليَّة وكان ذلك النَّظْمُ في غاية الفسادِ، بل المرادُ ما ذكرناه.. من أنَّ المقصود.. الرَّدُّ على عبدة الأوثان؛ لأنه أراد هاهنا إقامة الحجَّة على أنَّ الأوثان لا تصلحُ للإلهيَّةِ، فقوله "أَيُشْرِكُونَ مَا لاَ يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ"؛ أي أيعبدون ما لا يقدرُ على أن يخلق شيئاً وهم يُخلقون، يعني الأصنام".
وقال الشوكاني المتوفى سنة 1250هـ في تفسيره (ج2ص400): "قال جماعة من المفسرين إن الجاعل شركا فيما آتاهما هم جنس بني آدم كما وقع من المشركين منهم؛ ولم يكن ذلك من آدم وحواء..، وذهب جماعة من المفسرين إلى أن معنى "من نفس واحدة" من هيئة واحدة وشكل واحد، "وجعل منها زوجها" أي من جنسها، "فلما تغشاها" يعني جنس الذكر جنس الأنثى؛ وعلى هذا لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية، وتكون ضمائر التثنية راجعة إلى الجنسين".
وقال الألوسي المتوفي سنة 1270هـ في تفسيره (ج9ص140): "(عاد) قوله سبحانه وتعالى "فتعالى الله عما يشركون" إلى الجميع، ولا تعلق للآية بآدم وحواء عليهما السلام أصلا..، (و)اختار ابن المنير.. هذا..، وهو أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى..، ثم قال: وكأن المعنى والله تعالى أعلم: هو الذي خلقكم جنسا واحدا وجعل أزواجكم منكم أيضا..، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر الجنس الذي هو الأنثى جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس وإن كان فيهم الموحدون لأن المشركين منهم، فجاز أن يضاف الكلام إلى الجنس على طريقة قتل بنو تميم فلانا وإنما قتله بعضهم، ومثله قوله تعالى: "ويقول الإنسان أئذا ما مت لسوف أخرج حيا" و"قتل الإنسان ما أكفره" إلى غير ذلك.
وقال الشيخ مناع القطان المتوفى سنة 1420هـ (رحمه الله تعالى) في تفسيره (ج2ص93): "دعا الزوج والزوجة ربهما قائلَين: والله لئن رزقتنا ولدا سليما تام الخلقة لنكونن من الشاكرين..، ونالا ما طلبا لكنهما جعلا الأصنام شركاء في عطيته الكريمة..، والله وحده هو المستحق لذلك..، وهناك بعض الروايات المأخوذة من الإسرائيليات تنسب هذه القصة لآدم وحواء؛ وهذا خلط وتخريف"، ويكفي هذا القدر ليترسخ لديك اليقين بإمكان حمل التعبير (نفس واحدة) على أصل الجنسين.
4- مآثر علماء الحديث وفقهاؤه في التحقيق:
حتى لا يكون تحرير دلالات القرآن الكريم من ركام التقليد ضرب من التعسف والمجازفة لابد من الدليل بالتحري والتحقيق، قال ابن كثير (رحمهم الله تعالى أجمعين) في تفسيره (ج3ص524): "قال تعالى..: "فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ": ذكر المفسرون هاهنا آثارا وأحاديث سأوردها وأبين ما فيها..، قال الإمام أحمد في مسنده: عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولما ولدت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد فقال: سميه عبد الحارث فإنه يعيش، فسمته عبد الحارث فعاش، وكان ذلك من وحي الشيطان وأمره)، وهكذا رواه ابن جرير..، ورواه الترمذي.. وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة، ورواه بعضهم عن عبد الصمد ولم يرفعه..، والغرض أن هذا الحديث معلول من ثلاثة أوجه، (أحدها): أن عمر بن إبراهيم هذا.. (وإن) وثقه ابن معين ولكن قال أبو حاتم الرازي: لا يحتج به..، (الثاني): أنه قد روي من قول سمرة نفسه ليس مرفوعًا، كما قال ابن جرير، (الثالث): أن الحسن نفسه فسر الآية بغير هذا، فلو كان هذا عنده عن سمرة مرفوعًا لما عدل عنه، قال ابن جرير: عن الحسن: "جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا"؛ قال: كان هذا في بعض أهل الملل ولم يكن بآدم..، (و) قال الحسن: عنى بها ذرية آدم ومن أشرك منهم بعده..، (و) عن قتادة قال: كان الحسن يقول: هم اليهود والنصارى..، وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن رحمه الله أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حملت عليه الآية، ولو كان هذا الحديث عنده محفوظًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما عدل عنه هو ولا غيره ولا سيما مع تقواه لله وَوَرَعه، فهذا يدلك على أنه موقوف على الصحابي، ويحتمل أنه تلقاه من بعض أهل الكتاب..، فأما الآثار.. عن ابن عباس..، (مثل): (فسميا ولدهما عبد الحارث)..، وكأنه والله أعلم أصله مأخوذ من أهل الكتاب..، فإن ابن عباس رواه عن أُبي بن كعب كما رواه ابن أبي حاتم..، وهذه الآثار يظهر عليها والله أعلم أنها من آثار أهل الكتاب..، وأما نحن فعلى مذهب الحسن البصري رحمه الله في هذا..، وأنه ليس المراد من هذا السياق آدم وحواء وإنما المراد من ذلك المشركون من ذريته؛ ولهذا قال الله: "فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ".
وفي تحقيق الحديث: (لما حملت حواء طاف بها إبليس وكان لا يعيش لها ولد، فقال: سميه عبد الحارث، فسمته: عبد الحارث فعاش..)؛ قال الألباني المتوفى سنة 1420هـ في سلسلة الأحاديث الضعيفة (1/516): "ضعيف؛ أخرجه الترمذي (2/181) والحاكم (2/545) وابن بشران في الأمالي (158/2) وأحمد (5/11) وغيرهم من طريق عمر بن إبراهيم عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب مرفوعا، وقال الترمذي: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عمر بن إبراهيم عن قتادة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، قلت: وليس كما قالوا، فإن الحسن في سماعه من سمرة خلاف مشهور، ثم هو مدلس، ولم يصرح بسماعه من سمرة، وقال الذهبي في ترجمته من الميزان: كان الحسن كثير التدليس، فإذا قال في حديث: عن فلان ضَعُفَ احتجاجه، قلت: وأَعَلَّه ابن عدي في الكامل (3/1701) بتفرد عمر بن إبراهيم وقال: وحديثه عن قتادة مضطرب..، ومما يبين ضعف هذا الحديث الذي فُسِّرَ به قوله تعالى "فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء".. الآية؛ أن الحسن نفسه فسر الآية بغير ما في حديثه هذا، فلو كان عنده صحيحا مرفوعا لما عدل عنه، فقال في تفسيرها: كان هذا في بعض أهل الملل و لم يكن بآدم، ذكر ذلك ابن كثير (ج2ص274و275) من طرق عنه، ثم قال: وهذه أسانيد صحيحة عن الحسن أنه فسر الآية بذلك، وهو من أحسن التفاسير وأولى ما حُمِلَت عليه الآية".
5- قرائن السياق هي المرجع الوثيق لتحرير الدلالة في التفسير الموضوعي:
سياق تكون الزوجين وتميز الجنسين متعلق بتخليق الجنين، قال تعالى: "أَيَحْسَبُ الإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى. أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مّن مّنِيّ يُمْنَىَ. ثُمّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوّىَ. فَجَعَلَ مِنْهُ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ" [القيامة:36-39]، وقال تعالى "وَأَنّهُ خَلَقَ الزّوْجَيْنِ الذّكَرَ وَالاُنثَىَ. مِن نّطْفَةٍ إِذَا تُمْنَىَ" [النجم:45و46]، وبالفعل تبدأ مراحل خلق الإنسان بتكون الحوين المنوي عند الأب لأن جميع بويضات الأم مكونة أساسا وهي جنين، وتُميز جنس الجنين تلك الخلية الجنسية الذكرية Male Gamete المماثلة لقطيرة واحدة من ماء عديد القطيرات؛ وإن تكونت من الأبوين الخلية البشرية الأولى Zygot أو النطفة الأمشاج في تعبير القرآن الكريم، قال تعالى: "إِنّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن نّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ" الإنسان 2؛ أي أشبه بقطيرة لكنها مختلطة التركيب من مكونات وراثية من الأبوين نسميها اليوم كروموزومات Chromosomes، وفي قوله تعالى: "يَأَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُم مّن ذَكَرٍ وَأُنْثَىَ" [الحجرات:13]، قال القرطبي (ج16ص342و343): "بيَّنَ الله تعالى في هذه الآية أنه خلق الخلق من الذكر والأنثى.. وقد ذهب قوم من الأوائل إلى أن الجنين إنما يكون من ماء الرجل وحده، ويتربى في رحم الأم ويستمد من الدم الذي يكون فيه..، والصحيح أن الخلق إنما يكون من ماء الرجل والمرأة لهذه الآية؛ فإنها نص لا يحتمل التأويل"، وتَكَوُّن الأزواج وتميز الجنسين في الأرحام عملية تخص كل جنين وتتبع تكون النطفة في بيان صريح للقرآن الكريم؛ يقول العلي القدير: "وَاللّهُ خَلَقَكُمْ مّن تُرَابٍ ثُمّ مِن نّطْفَةٍ ثُمّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجاً وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَىَ وَلاَ تَضَعُ إِلاّ بِعِلْمِهِ" [فاطر:11]، وبالمثل سياق التعبير (نفس واحدة) في القرآن الكريم متعلق بتميز الجنسين في الأرحام، قال تعالى: "يَأَيّهَا النّاسُ اتّقُواْ رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً وَاتّقُواْ اللّهَ الّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ" [النساء:1].
وفي كل الثدييات Mammals يتكون الزوجان؛ الذكر والأنثى، بنفس كيفية تكون جنين الإنسان من نفس واحدة، وتَعْجَب أن يَسْتَطْرِد القرآن الكريم خلال بيانه لكيفية تميز جنس الإنسان في البطون ويقرن بينهما وكأنه يدعوك للتحري عن دلائل الوحي في قوله تعالى: "خَلَقَكُمْ مّن نّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمّهَاتِكُمْ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللّهُ رَبّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لآ إِلََهَ إِلاّ هُوَ فَأَنّىَ تُصْرَفُونَ" [الزمر:6]؛ وقوله تعالى: "جَعَلَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَمِنَ الأنْعَامِ أَزْواجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السّمِيعُ الْبَصِيرُ" [الشورى:11]؛ وفي التفسير (يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ): أي يخلقكم ويبثكم فتنتشروا بتكاثركم كما الأنعام خلائف نسلا بعد نسل في هذا الجعل أزواجًا، أي: بجعلكم أزواجًا من الجنسين؛ ذكرًا وأنثى، وهو كقوله تعالى: "وَهُوَ الّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ" [المؤمنون:79]، وقوله تعالى: "قُلْ هُوَ الّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الأرْضِ" [الملك:24]، وقوله تعالى: "هُوَ الّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرْضِ" [فاطر:39]، وكما تَرَى يُخبر القرآن الكريم عن تناسل الإنسان كخليفة نسلا بعد نسل من نفس واحدة هي أصل الجنسين ولا تعلق بآدم وحواء بوجه من الوجوه.
6- دلائل النبوة الخاتمة تسطع باليقين في عصر العلم والتحقيق:
لك أن تسأل: لِمَ للذكر حَلَمَتَان وهو لا يُرضع؛ قد ينموان Gynecomastia لِعِلَّةٍ كاضطراب الهورمونات ليماثل الثديان الأنثى؟، ويُجيبك المختصون بأنها إحدى علامات تشهد بالأصل المشترك غير متميز الجنس Indifferent stage أو النفس الواحدة الهيئة التي تفرع منها الجنسان؛ الذكر والأنثى، وما العبرة من خوض القرآن في مسائل علمية لم يكن لأحد قبل عصرنا بها اهتمام؟، ويجيبك التنبيه عَقِب كل آيات التكوين ليلفتك لغرض التوحيد وبيان قدرة العَلِيِّ وعظمته؛ وإلا فلا مفر من المعضلة: فمن حَاكَ إذن كل هذا الوجود المُذهل بعلم واقتدر؛ فلا يصلح مخلوق ولا صدفة عمياء عند النبهاء كتفسير!، وكيف يخدم تميز الجنسين من نفس واحدة هذا الغرض؟؛ تَأَمَّل تَكَامُل الجنسين تشريحيًّا ووظيفيًّا ونفسيًّا تُدرك الغرض.


وعند بداية ظهور علامات الذكورة يكون طول الجنين من قمة رأسه إلى مقعدته يقارب إصبع، ولا تتضح تفاصيله ويُعرف جنسه قبل ذلك إلا بوسائل حديثة كالمجهر الذي لم يُعرف إلا في القرن السابع عشر، فكيف يَخُص القرآن الكريم في القرن السابع الميلادي جنس الذكر بلفظ (الخلق) الذي يعني الإنشاء ولفظ (الجعل) الذي يعني التحويل؛ وذلك من حالة غير متميزة واحدة في الجنسين يجعلها السياق هي نفسها جنس الأنثى الذي يتغشَّاها زوجها الذكر من بعد لتُنتَج الذرية من الجنسين، وتتضاعف الأجيال بنفس الكيفية لتملأ الآفاق!، ولا تفسير سوى أن أنباء القرآن الكريم لم تصنعها قريحة بشر، ولا تبحث عن مثل أنباء الغيب تلك في أي كتاب يُنسب للوحي غير القرآن الكريم، فلن تجد في الجملة سوى تاريخ وأماني شعب.
قال أبو حيان الأندلسي المتوفى سنة 745هـ في تفسيره (ج4ص10): "قال الأصم: لا يدل العقل على أنَّ الخلق مخلوقين "من نفس واحدة"؛ بل السمع، ولمََا كان صلى الله عليه وسلم أميّاً ما قرأ كتاباً كان معنى "خلقكم" دليلاً على التوحيد و"من نفس واحدة" دليلاً على النبوّة"، ولك إذن أن تجزم بيقين أن هذا الكتاب الكريم وحي من عند العليم وحده تعالى بكل أسرار الخلق؛ والتي تكشف منها الأيام كل حين ما يكون آية بينة على الوحي، يقول العلي القدير: "إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لّلْعَالَمِينَ. وَلَتَعْلَمُنّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ" [ص:87-88]، وحينما تتحقق أنباء الغيب وتُعاين في الواقع تنزوي الحيرة ويَستقر التأويل لتسطع براهين الوحي للنابهين، يقول العلي القدير: "لّكُلّ نَبَإٍ مّسْتَقَرّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ" [الأنعام:67].
ولك إذن أن تدرك مَنْ عَنَى يحيي (يوحنا المعمدان) عليه السلام في أسفار الكتاب الأسبق بالمُنتظر المُؤيَّد بالبينات في قوله ليهود عصره (متى3/1-11): "تُوبُوا لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ.. مَنْ أَرَاكُمْ أَنْ تَهْرُبُوا مِنَ الْغَضَب الآتِي..، الآنَ قَدْ وُضِعَتِ الْفَأْسُ عَلَى أَصْلِ الشَّجَرِ، فَكُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ، أَنَا أُعَمِّدُكُمْ بِمَاءٍ لِلتَّوْبَةِ وَلكِنِ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي هُوَ أَقْوَى مِنِّي الَّذِي لَسْتُ أَهْلاً أَنْ أَحْمِلَ حِذَاءَهُ"، إن شق عليك الجواب فَسَيُعِينَك قول مُعَاصِرُه المسيح عيسى عليه السلام لنفس اليهود بالمِثل مُفَسِّرًا مَثَل الشجرة الجديدة المُثْمِرة هذا بمثل آخر يعرفه البناؤون في عصره لآخر سلسلة النبوات وأعلى حجر في البناء؛ وهو حجر الزاوية على رأس القنطرة فوق الأبواب أو القوس المعماري الروماني، ومصرحًا بالمضمون نَصًّا لمن لا يستطيع الفهم (متى 21/42-44): "أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ، مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا، لِذلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ؛ وَمَنْ سَقَطَ عَلَى هذَا الْحَجَرِ يَتَرَضَّضُ وَمَنْ سَقَطَ هُوَ عَلَيْهِ يَسْحَقُهُ".


إرسال إلى صديق طباعة حفظ