إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تأويل هجر عائشة لابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهم
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الخميس 27 ذو الحجة 1429 الموافق 25 ديسمبر 2008
السؤال

نحن نعلم أنه لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، ولكن يقول أحدهم: كيف أن أمنا عائشة رضي الله عنها قيل إنها أقسمت ألا تكلم ابن أختها عبد الله بن الزبير عندما قال إنه يريد أن يحجر عليها. وهي العابدة الزاهدة العالمة بالسنة؟ أرجو التوضيح وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله المنفرد بصفات الكمال، والصلاة والسلام على النبي وأزواجه والآل.
أقول وبالله التوفيق:
قصة عائشة رضي الله عنها مع ابن أختها عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما (وأمه هي: أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما) قصة صحيحة، وهذا هو لفظها في صحيح البخاري (رقم 6073-6075): "أَنَّ عَائِشَةَ حُدِّثَتْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بن الزُّبَيْرِ قال في بَيْعٍ أو عَطَاءٍ أَعْطَتْهُ عَائِشَةُ: والله لَتَنْتَهِيَنَّ عَائِشَةُ، أو لَأَحْجُرَنَّ عليها. فقالت: أَهُوَ قال هذا؟ قالوا: نعم، قالت: هو لله عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ لَا أُكَلِّمَ بن الزُّبَيْرِ أَبَدًا. فَاسْتَشْفَعَ بن الزُّبَيْرِ إِلَيْهَا حين طَالَتْ الْهِجْرَةُ، فقالت: لَا والله، لَا أُشَفِّعُ فيه أَبَدًا، ولا أَتَحَنَّثُ إلى نَذْرِي. فلما طَالَ ذلك على بن الزُّبَيْرِ، كَلَّمَ الْمِسْوَرَ بن مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرحمن بن الْأَسْوَدِ بن عبد يَغُوثَ (وَهُمَا من بَنِي زُهْرَةَ)، وقال لَهُمَا: أَنْشُدُكُمَا بِالله لَمَّا أَدْخَلْتُمَانِي على عَائِشَةَ، فَإِنَّهَا لَا يَحِلُّ لها أَنْ تَنْذِرَ قَطِيعَتِي. فَأَقْبَلَ بِهِ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرحمن مُشْتَمِلَيْنِ بِأَرْدِيَتِهِمَا حتى اسْتَأْذَنَا على عَائِشَةَ، فَقَالَا: السَّلَامُ عَلَيْكِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، أَنَدْخُلُ؟ قالت: عَائِشَةُ: ادْخُلُوا، قالوا: كُلُّنَا؟ قالت: نَعَم، ادْخُلُوا كُلُّكُمْ، ولا تَعْلَمُ أَنَّ مَعَهُمَا بن الزُّبَيْرِ، فلما دَخَلُوا، دخل بن الزُّبَيْرِ الْحِجَابَ، فَاعْتَنَقَ عَائِشَةَ، وَطَفِقَ يُنَاشِدُهَا وَيَبْكِي، وَطَفِقَ الْمِسْوَرُ وَعَبْدُ الرحمن يُنَاشِدَانِهَا إلا ما كَلَّمَتْهُ وَقَبِلَتْ منه، وَيَقُولَانِ إِنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عَمَّا قد عَلِمْتِ من الْهِجْرَةِ، فإنه لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ. فلما أَكْثَرُوا على عَائِشَةَ من التَّذْكِرَةِ وَالتَّحْرِيجِ، طَفِقَتْ تُذَكِّرُهُمَا وَتَبْكِي، وَتَقُولُ: إني نَذَرْتُ، وَالنَّذْرُ شَدِيدٌ!! فلم يَزَالَا بها، حتى كَلَّمَتْ بن الزُّبَيْرِ، وَأَعْتَقَتْ في نَذْرِهَا ذلك أَرْبَعِينَ رقبة. وَكَانَتْ تَذْكُرُ نَذْرَهَا بَعْدَ ذلك، فَتَبْكِي، حتى تَبُلَّ دُمُوعُهَا خِمَارَهَا».
والذي فعلته عائشة رضي الله عنها هو في اجتهادها من الهجر المباح؛ حيث إن هجر المسلم لا يجوز إلا إذا اقتضت المصلحة هجره، كهجر أصحاب المعاصي إذا خُشي من ضررهم، وكان الهجر نافعا في الحماية منهم، أو كان نافعا في تأديبهم. كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر بهجر الثلاثة الذين خُلِّفُوا في قصة غزوة تبوك.
وقد رأت عائشة رضي الله عنها أن ابن أختها قد ارتكب بما قال أمرا عظيما، وهو قوله: "لأحجرن عليها"، فإن فيه تنقيصا لقدرها، ونسبة لها إلى ارتكاب ما لا يجوز من التبذير الموجب لمنعها من التصرف فيما رزقها الله تعالى، ومثل هذا الانتقاص لا يقبله مسلم (من عموم المسلمين) على نفسه، مع ما انضاف إلى ذلك من كونها رضي الله عنها أمًّا من أمهات المؤمنين، ولها على الأمة حقٌّ عظيم من التوقير والإجلال. وهي أيضا خالته أخت أمه؛ والخالة في مقام الأم، وهي كانت كذلك لعبد الله بن الزبير خاصة، حبًّا له وعنايةً به، حتى كانت تُكنى به، فيقال لها: أم عبد الله، فكأنها رأت أن في ذلك الذي وقع عقوقًا، وتجرؤا على حقها العظيم عليه، يُوجبُ تأديبه وزجره.
وهذا خلاصة ما أجاب به العلماء، كابن بطال المالكي، وابن حجر العسقلاني.
أما ما وقع من عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما فلا شكّ أنه زلّةٌ وخطأ، ولعلها كلمة قالها ساعةَ غضبٍ؛ لشدة جود عائشة رضي الله عنها، وكرمها الذي لم يعتد عليه الناس ولا يعرفون له نظيرا؛ إلا لدى أجواد الناس الذين يُضرب بجودهم الأمثال. ومثل هذا الخطأ منه مغمور في فضله، خاصة بعد توبته وأوبته، وبكائه وشدة اعتذاره من خالته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، ومن تاب تاب الله عليه.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ