إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تفصيل القول في ذبائح أهل الكتاب
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ السبت 05 صفر 1430 الموافق 31 يناير 2009
السؤال

أنا شاب مسلم مقيم في بلاد القرب أنا وعائلتي، لدي سؤالان، الأول يخص أكل لحوم وذبح أهل الكتاب، فهنا يقولون -بل يؤكدون- أنهم يذبحون مثل ذبحنا، وخصوصا الدجاج، طبعا ما عدا عدم ذكر اسم الله عليه، فهل يجوز أكله مع ذكر اسم الله عليه قبل الأكل؟
السؤال الثاني: حول قرض الدراسة، أريد إكمال دراستي هنا، لأنه لا يوجد عمل بدون أخذ شهادة البلد، ولكن لا أستطيع إلا بقرض يسدد بعد إكمال الدراسة بستة أشهر، والدولة تتحمل ثلث المبلغ كمساعدة للطالب، وأنا بنيتي تسديده قبل المدة، حيث تحسب عليه فوائد إذا سددته بعد ستة أشهر من التخرج، فهل يحق لي أخذ هكذا قرض؟ أفيدونا وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فإن ذبائح أهل الكتاب -وهم اليهود والنصارى- لا تخلو من أحوال:
الحال الأولى: ما علم أو غلب على الظن أنهم ذبحوها على الطريقة الشرعية، بأن يكون في محل الذبح، وبقطع ما يجب قطعه في الذكاة، فهو حلال بالإجماع لقوله تعالى: "وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ" [المائدة:5]، والمراد بطعامهم ذبائحهم كما قال ابن عباس رضي الله عنه وغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقَدْ اسْتَفَاضَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَتَحُوا الشَّامَ وَالْعِرَاقَ وَمِصْرَ كَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْ ذَبَائِحَ أَهْل الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَإِنَّمَا امْتَنَعُوا مِنْ ذَبَائِحِ الْمَجُوسِ).
 الحال الثانية: ما علم  أو غلب على الظن أنهم ذبحوها على غير الطريقة الشرعية كالقتل بالخنق، أو الصعق الكهربائي، أو الضرب بالرصاص على رأسه، أو بالتدويخ حتى يموت ولا يدرك وفيه حياة، فهذا حرام بالإجماع؛ لقوله تعالى: "حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ" [المائدة:3 ].
الحال الثالثة: ما حصل فيه الشك من ذبائح أهل الكتاب، وجهل كيفية ذبحها هل ذبحوه على الطريقة الشرعية، أو على غير الطريقة الشرعية، فهذا محل خلاف بين العلماء المعاصرين على قولين، القول الأول: حل أكلها؛ لأن الأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل حتى يثبت ما يقتضي تحريمها من كونها ذبحت على غير الطريقة الشرعية، بأن يعلم أنهم ذبحوها على غير الطريقة الشرعية، فإذا لم يعلم فالأصل في ذبائح أهل الكتاب الحل؛ استنادًا إلى قوله تعالى: "وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ" [المائدة:5]، وليس لنا ولا علينا أن نسأل كيف ذبحوه؟ وهل سموا عليه أو لا؟ ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن عائشة رضي الله عنها: أن قوما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال (سموا عليه أنتم وكلوه). قالت وكانوا حديثي عهد بالكفر). وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
القول الثاني: أنها لا تحل في هذه الحالة؛ لأن الأصل في ذبائح أهل الكتاب وغيرهم التحريم، حتى يعلم أنها ذبحت على الطريقة الشرعية، والقول الأول هو الأظهر.
الحال الرابعة: أن يذكر الكتابي غير اسم الله على ذبيحته، نعلم ذلك يقيناً أو بغلبة الظن، كأن يقول باسم عزير أو المسيح -لم يحل الأكل منها؛ لدخولها في عموم قوله تعالى: "وما أهلّ لغير الله به"، وإذا لم تقبل ذبيحة المسلم إذا لم يذكر اسم الله عليها، فالكتابي أولى برد ذبيحته إذا ذكر عليها اسم غير الله.
الحال الخامسة: أن تختلط ذبائح أهل الكتاب بغيرهم من الكفار غير الكتابيين كالوثنيين والمجوس والشيوعيين، وسائر المشركين، فهنا إن علم أو غلب على ظنه أنها من ذبائح أهل الكتاب أكل منها، وغلبة الظن معمول به في الشريعة كما هو مقرر في مواضعه، وإن علم أو غلب على ظنه أنها من ذبح غيرهم لم يأكل منها، وإن شك أو جهل ولم يجزم، ولم يستطع التمييز بينها، حرمت كلها حتى يستطيع التمييز بينها تغليباً لجانب الحظر عند الاشتباه كما هو مقرر عند الفقهاء في مثل هذه المسائل، والله تعالى أعلم.
وأما السؤال الثاني: فنجيب بحسب ما فهمناه من النص العام، فنقول لا يجوز للمسلم أن يتعامل بالربا أخذاً أو إعطاء برضى أو بغير رضى، ولا يجوز لمسلم أن يقترض من البنوك بفائدة؛ لأنه من الربا الذي توعد الله فيه صاحبه بالوعيد الشديد، ولو قدر على سداد القرض قبل انقضاء المدة؛ لأن مجرد الدخول بعقد فيه ربا محرم بالاتفاق؛ ولأنك لا تدري ما يحصل لك في المستقبل، فقد تقصر بك النفقة أو تتغير أحوالك فلا تستطيع سداد القرض عند حلول أجله، فتثبت عليك الفوائد الربوية.
ثم لتعلم أخي الكريم أن الربا ومنه القرض بفائدة من أكبر أسباب الفقر ومحق البركة كما قال تعالى: "يمحق الله الربا ويربي الصدقات"، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء [رواه مسلم في صحيحه (3/1219)]، وأني أخشى عليك -أخي الكريم- أن يعود شؤم معصية القرض بفائدة (الربا) على دارستك فلا توفق فيها، ولكن استعن بالله تعالى، وتوكل عليه، وابحث عن البدائل الأخرى المباحة وهي الأكثر ولله الحمد، نسأل الله تعالى لنا ولكم التوفيق في الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ