إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل تصح عبارة (أينما توجد مصالح الناس فهذا هو الشرع)؟
المجيب
د. محمد بن حسين الجيزاني
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
التاريخ الاحد 20 صفر 1430 الموافق 15 فبراير 2009
السؤال

ما رأي فضيلتكم في هذه العبارة: (أينما توجد مصالح الناس فهذا هو الشرع) هل هي صحيحة؟

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله. أما بعد
فهذه العبارة مجملة؛ إذ تحتمل معنى صحيحا، وقد تحتمل معنى باطلا.
فالمعنى الصحيح أن هذه الشريعة جاءت لجلب المصالح للخلق، ودرء المفاسد عنهم.
وبناء على ذلك فلا يمكن أن يوجد أمر فيه مصلحة للناس إلا والشارع يطلبه، ويأمر بتحصيله، ولا يفوِّته أبدا.
وهذه المصلحة التي جاء بها الشارع مقيَّدة بالضوابط الأربعة الآتية:
1. أن تكون هذه المصلحة حقيقية لا وهمية، وأن تكون واقعية لا خيالية.
2. أن تكون هذه المصلحة غالبة راجحة، فلا تعارضها مفسدة مساوية لها أو أرجح منها.
3. أن تندرج هذه المصلحة تحت مقاصد الشريعة، وذلك بأن تعود على الناس بحفظ الدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال.
4. أن تقدير هذه المصلحة إنما يُرجع فيه إلى أهل الاجتهاد دون غيرهم، فليس باب النظر في المصالح مفتوحا لمن هبّ ودبّ، بل هو خاص بالفقهاء المجتهدين.
فمتى توفرت هذه الضوابط صحَّ أن يقال: (أينما توجد مصالح الناس فهذا هو الشرع).
وأما المعنى الباطل لهذه العبارة فهو فيما إذا تخلَّفت هذه الضوابط أو واحد منها، فمن المعاني الباطلة:
1. أن تكون هذه المصلحة موهومة، لا حقيقة لها في الواقع، وإنما هي مجرد خيال.
2. أن يلزم من العمل بهذه المصلحة وقوع مفسدة أرجح منها أو مساوية لها.
3. أن تكون هذه المصلحة مناقضة لمقاصد الشريعة هادمة لها.
4. أن تكون هذه الشريعة خاضعة لأهواء الناس ورغباتهم الشخصية.
فالمصلحة في جميع هذه الأحوال ملغاة في نظر الشارع، ولا يصح حينئذ أن يقال: (أينما توجد مصالح الناس فهذا هو الشرع).
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في كتابه القيم (المصالح المرسلة ص4): (وفي هذا يكمن الفرق الأساسي بين المصلحة عند القانونيين الذين يقولون: حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله، وبين الأصوليين الشرعيين الذين يصدق على منهجهم أنه حيثما وجد الشرع فثم مصلحة العباد.
فإذا لم يوجد نص للشرع اجتهد العالم في النازلة ليرى هل هي محققة لمصلحة مما جاء الشرع لتحقيقها في العقيدة أو النفس أو المال أو العرض أو النسب، وأنها خالية من مفسدة تضر ببعض هذه الضرورات أم لا).
ومن المستحسن في خاتمة هذا الجواب الإشارة إلى التلازم الأبدي بين الشرع والمصلحة، وذلك من خلال القواعد الأربع الآتية:
* القاعدة الأولى: أن جميع ما جاء به الشرع يعود إلى تحقيق مصالح العباد، ودرء المفاسد عنهم في الدنيا والآخرة، فالشارع لا يأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا ينهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة. وهذا الأصل شامل لجميع الشريعة لا يشذ عنه شيء من أحكامها.
* القاعدة الثانية: أنه ما من مصلحة في الوجود إلا وقد ورد بها الشرع؛ حيث لم يهمل الشارع مصلحة قط، فما من خير إلا وقد حثنا عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وما من شر إلا وحذرنا منه.
* القاعدة الثالثة: أن وقوع التعارض بين الشرع والمصلحة غير ممكن؛ إذ لا يتصور أن ينهى الشارع عما مصلحته راجحة أو خالصة، ولا أن يأمر بما مفسدته راجحة أو خالصة.
* القاعدة الرابعة: أن من ادعى وجود مصلحة لم يرد بها الشرع فأحد الأمرين لازم له:
إما أن الشرع دل على هذه المصلحة من حيث لا يعلم هذا المدعي.
وإما أن ما اعتقده مصلحة ليس بمصلحة، فإن بعض ما يراه الناس من الأعمال مقربًا إلى الله ولم يشرعه الله فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم لم يهمله الشارع.
هذا ما تيسر إيراده، وبالله التوفيق.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ