إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حديث فرار الحجر بثوب موسى عليه السلام
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 23 ذو الحجة 1429 الموافق 21 ديسمبر 2008
السؤال

دعيت من أحد الأصدقاء لأنضم إلى جماعة إيمانية، كلامهم مبهر وجميل، لكن ما أثار شكوكي أنهم يشككون بحديث شريف، وهو الحديث الذي يتحدث عن موسى عليه السلام عندما نزل ليغتسل في النهر، ووضع ثيابه على حجر ففر الحجر ليبرأ موسى من تهم بني إسرائيل، فأنا أريد أن أعرف درجة هذا الحديث هل هو صحيح أم لا؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
أقول وبالله التوفيق:
الحديث الذي سأل عنه السائل حديث صحيح وارد في صحيحي البخاري ومسلم، اللذين هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. وهذا لفظه عندهما: عن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عن النبي  صلى الله عليه وسلم، قال: "كانت بَنُو إِسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً، يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ، وكان مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوا: والله ما يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنَا إلا أَنَّهُ آدَر. فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ، فَخَرَجَ مُوسَى في إِثْرِهِ يقول: ثَوْبِي يا حَجَرُ، حتى نَظَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إلى مُوسَى، فَقَالُوا: والله ما بِمُوسَى من بَأْسٍ. وَأَخَذَ ثَوْبَهُ، فَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا. فقال أبو هُرَيْرَةَ: والله إنه لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ -سِتَّةٌ أو سَبْعَةٌ- ضَرْبًا بِالْحَجَرِ".
والآدَر: هو الرجل الذي أصابه مرض في ذَكَره يؤدي إلى انتفاخ فيه.
والحديث مع كونه مما قد صححه البخاري ومسلم، وكفى بتصحيحهما ثقة؛ لشدة احتياطهما، وقوة شرطهما في التصحيح؛ ولأن الأمة قد أجمعت على صحة كتابيهما، إلا أحاديث يسيرة خالف في صحتها بعض أئمة الحديث؛ لكن لم يكن هذا الحديث أحد تلك الأحاديث المختلف فيها = فإسناده من أصح الأسانيد، فهو من نسخة التابعي الثقة الجليل همام بن منبّه التي كتبها عن أبي هريرة مباشرة، حتى لقّب العلماء هذه الصحيفة بـ(الصحيفة الصحيحة)، كما قد رواه غيره عن أبي هريرة رضي الله عنه. ثم قد وافق على تصحيحه كل من تكلم عنه من المحدثين: كالإمام الترمذي، وابن حبان، وغيرهما، كلهم على تصحيح هذا الحديث، ولم يخالفهم أحد من أئمة الحديث.
ثم الحديث قد رواه من الصحابة غير أبي هريرة رضي الله عنه:
فقد ذكر عبد الله بن عباس رضي الله عنهما هذه القصة من كلامه موقوفا عليه، في تفسير قوله تعالى "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً" [الأحزاب: 69]. وأخرجه كذلك: ابن أبي شيبة في المصنف (رقم32509)، والطبري في التفسير (19/190-191)، والحاكم وصححه (4/422). وهو بإسناد جيد، يثبت به حديث ابن عباس رضي الله عنهما، كما ثبت حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
في حين رواه أيضا أنس بن مالك رضي الله عنه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: أخرجه الإمام أحمد (رقم 13764)، والبزار (رقم 7421)، من حديث علي بن زيد بن جدعان، عن أنس رضي الله عنه. وهذا إسناد حسن على الراجح في علي بن زيد، وإن كان ضعيفا فهو نافع في الشهادة لحديث أبي هريرة؛ لأن ضَعْفَ علي بن زيد (عند من ضعّفَه) ضعفٌ خفيفٌ لا يخرجه عن جواز الاستشهاد بحديثه. 
وبذلك يتبيّن أنه لا مجال للتشكيك في صحة هذا الحديث عن رسولنا صلى الله عليه وسلم.
ولا أدري لماذا تجرّأ هؤلاء الفضلاء على هذا الحديث؟! فثبوت اللفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم لا شك فيه، كما سبق. وأما المعنى فلا أدري ما المشكل فيه عند هؤلاء الفضلاء؟! ولكني سأحاول تفهُّمَ الإشكالات المحتملة في الحديث، وأجيب عنها. والذي بدا لي منها إشكالان فقط، هما:
الأول: أن في الحديث إخبارا عن أمر غير معقول، وهو جري الحجر. وجوابه: أن هذا لا يستشكله إلا من لا يؤمن بمعجزات الأنبياء، وبخوارق العادات التي يجريها الله تعالى على أيديهم، والتي ثبتت في القرآن الكريم والسنة المطهرة المتواطئة عليها. فليس جري الحجر بأعجب من شق البحر، ولا إحياء الموتى، ولا جعل النار بردا وسلاما، وغيرها من معجزات الأنبياء الثابتة في القرآن قبل السنة!!
الثاني: أن كشف العورة أمرٌ سيّءٌ، ولا يتمناه أحدٌ لنفسه، فكيف يقدّره الله تعالى على موسى عليه السلام؟! وجوابه: أن الحديث بيّنَ أن سبب ذلك هو اتهام بني إسرائيل لموسى عليه السلام بأنه إنما كان يستر عورته لمرضه، وعلم الله تعالى أن مفسدة هذه التهمة على موسى عليه السلام وعلى رسالته مفسدةٌ أشدُّ وأعظم من مفسدة ظهور عورة موسى عليه السلام، وأن الأذى الذي سيصيب موسى عليه السلام جراء انكشاف عورته أخفّ من الأذى الذي اتّهمه به قومُه. وقد حكى الله تعالى علينا في القرآن الكريم من سوء خلق بني إسرائيل ومن شدة عنادهم وتلكّؤهم عن الطاعة وسرعة انقلابهم = ما لا نستغرب معه أن يكونوا قد بلغوا بأذى موسى عليه السلام على هذا الأمر ما يستوجب دَفْعَه عنه، ولو بكشف العورة. ويبقى أن هذا ابتلاء من جملة ابتلاءات موسى عليه السلام، والتي بها وبغيرها من مراقي تشريف الله تعالى له ومن الطاعة والتعظيم لله تعالى كان موسى عليه السلام عند الله تعالى وجيها.
وعلى السائل أن ينصح هؤلاء الإخوة الفضلاء (إن شاء الله) في هذا الأمر: بأن لا يتجرؤوا على ما لا علم لهم به، من تصحيح الأحاديث وتضعيفها، وأنهم إن استشكلوا حديثا أو غمض عليهم لفظُه أو معناه فعليهم أن يسألوا عنه من أهل العلم الذي كان معروفا فيهم بالعناية بالسنة وعلومها، وكان متخصصا في هذا العلم الشريف من علوم الشريعة. فالكلام في السنة تصحيحا وتضعيفا وتوجيها علمٌ تخصصي في علوم الشريعة، فليس كل عالم شرعي قادرا على إجادة الكلام فيه، فضلا عن غيره ممن لم يكن عالما شرعيا في أحد تخصصات الشريعة العديدة الأخرى.
فإن وجد الأخ السائل أن هذه الجماعة لا تنتصح له، وأنهم يكررون السخرية من السنة الصحيحة، فليحذرهم على إيمانه وعقله: فإما أن يستبدلهم بجماعة خير منهم، أو أن يصاحبهم إذا كان محتاجا لصحبتهم، بشرط أن يكون قادرا على التحصّن من خطئهم هذا، فيأخذ منهم ما صفا وطاب، ويتجنب منهم ما كدر وخبث، مع دوام نصحه لهم، ومع عدم يأسه من قبولهم للنصيحة وتوبتهم، مهما طال ذلك منهم. والمهم الذي أؤكد عليه: أن لا يسمح لشبههم بالتسلل إليه، وأن تكون نجاتُه من بدعة تُفْسِدُ عليه قلبَه مقدّمةً لديه على كل شيء؛ فلا يعدل النجاةَ شيء! هذا كله إن تكرر منهم مثل هذا الخطأ ونحوه، أما إن كان ذلك منهم نادرا، فليكتف بنصحهم، ولا يتجنبهم، ما دام يستفيد منهم في زيادة إيمانه.
وقد أحسن كل الإحسان بسؤاله هذا، وفقه الله تعالى، وزاده هداية وخيرا.
والله أعلم.
والحمد لله على ما لا أحصيه من نعمته، والصلاة والسلام على رسول الله وأزواجه وذريته.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ