إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل التخطيط للمستقبل من طول الأمل؟
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ الاربعاء 14 ربيع الأول 1430 الموافق 11 مارس 2009
السؤال

هل معنى أن يكون لدي أمل في المستقبل، وأن لا أفقد أملي بالله هو المقصود به طول الأمل الذي يهوي بصاحبه؟

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فلعل السائل يشير بسؤاله إلى حديث جابر مرفوعاً: "إن أخوف ما أخاف على أمتي الهوى وطول الأمل، فأما الهوى؛ فيصد عن الحق، وأما طول الأمل؛ فينسي الآخرة، وهذه الدنيا مرتحلة، و هذه الآخرة قادمة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا بني الآخرة، ولا تكونوا من بني الدنيا، فإنكم اليوم في دار العمل، وأنتم غداً في دار جزاء ولا عمل" فهذا الحديث ضعيف جداً كما قال الألباني في السلسة الضعيفة، رواه البيهقي في الشعب، وابن أبي الدنيا وغيرهما.. أو يقصد السائل حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أربعة من الشقاء، جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا" ولا يصح أيضاً. رواه ابن عدي وغيره.
وقد جاء في ذم طول الأمل عدة أحاديث صحيحة منها حديث أنس مرفوعاً: (يهرم ابن آدم وتشب معه اثنتان: الحرص على المال، والحرص على العمر)، أخرجه مسلم والترمذي وصححه، وأخرجه البخاري بنحوه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
والأمل: الرجاء، وقيل الحرص، وفرط الشره في الإرادة، وقد اختلف أهل العلم في المراد بطول الأمل المذموم فقيل: هو طول الأمل في أمر الدنيا غافلا عن الاستعداد للموت كما قال سبحانه "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل"، وقيل: (هو الغفلة عن ذكر الموت، وتقدير حصوله في كل لحظة)، وقيل: (هو التسويف بالتوبة عما وقع فيه من المعاصي مؤملا طول حياته، وأنه إذا قضى شهوته واستوفى لذته تاب ورجع إلى الله تعالى عن مخالفاته)، وقيل هو الاسترسال في جمع المال على وجه التفاخر والتكاثر، أو بطريق الحرام، وهو ضد قصر الأمل: قال ابن القيم في المدارج: (فأما قصر الأمل : فهو العلم بقرب الرحيل، وسرعة انقضاء مدة الحياة، وهو من أنفع الأمور للقلب...).
والذي يظهر لي أن طول الأمل لابد فيه من التفصيل، فمنه ما هو مذموم، ومنه ما هو مباح أو محمود، فالمذموم ما جمع الأوصاف التالية:
الأول: الغفلة عن ذكر الموت وسكراته، وأهوال يوم القيامة، وضعف الاستعداد لها.
الثاني: التسويف في التوبة عما وقع فيه العبد من الذنوب والمعاصي مؤملاً البقاء إلى أجل مسمى، فإذا أطرب شبابه، واستمتع في الدنيا تاب وأقلع.
الثالث: الاسترسال في جمع المال على سبيل التفاخر والتكاثر والتكبر على الخلق، وجحد نعمة الله عليه، أو جمعها بطريق الحرام، فكل ذلك من طول الأمل.
الرابع: ما أثمر قسوة في القلب، وسبب في ترك الطاعة والتكاسل فيها، وخفف المعاصي على العبد، وجرأه عليها.
الخامس: الاشتغال بالدنيا عن الآخرة مخافة الفقر أن ينزل به، ولا يقنع بما أعطي، مستبطئا لما لم يجر به المقدور.
فعلى الأحوال والأوصاف تحمل ما ورد من النصوص وأقوال السلف في ذم طول الأمل، وأما المحمود والمباح فما جمع الأوصاف التالية:
الأول: طول الأمل في تحصيل العلم وتعليمه، فهذا محمود، ومنه قول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: "الأمل مذموم إلا للعلماء فلولاه ما صنفوا".
الثاني: طول الأمل في العمل والطاعة، وتمني الخير كقولك لأن بقيت إلى الحج لأحج، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم "لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" فليس هذا من طول الأمل المذموم؛ لأنه تمني طاعة وعبادة، ومنه حديث  أبي بكرة رضي الله عنه: أن رجلا قال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: من طال عمره، وحسن عمله، قال: فأي الناس شر؟ قال: من طال عمره وساء عمله)، رواه الترمذي، وقال حديث حسن صحيح، والطبراني بإسناد صحيح -كما قال المنذري- والحاكم والبيهقي في الزهد وغيرهم.
الثالث: التمتع بمباحات الدنيا، والاستعداد والادخار للمستقبل بما لا ينسى معه الاستعداد للآخرة، و لايلزم من التمتع بالدنيا الغفلة عن الآخرة، فلا تعارض بينهما، (ولذا توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعاً من شعير) رواه البخاري من حديث عائشة، وفي الصحيحين من حديث عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأخذ نفقة سنة، مع أنه خير الزاهدين، وأتقاهم لله تعالى.
قال ابن مفلح في الآداب الشرعية والمنح المرعية نقلاً عن ابن الجوزي بعد ذكره لهذا الحديث: "قَالَ وفِيهِ جَوَازُ ادِّخَارِ قُوتِ سَنَةٍ، وَلَا يُقَالُ هَذَا مِنْ طُولِ الْأَمَلِ؛ لِأَنَّ الْإِعْدَادَ لِلْحَاجَةِ مُسْتَحْسَنٌ شَرْعًا وَعَقْلًا، وَقَدْ اسْتَأْجَرَ شُعَيْبُ مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى جَهَلَةِ الْمُتَزَهِّدِينَ فِي إخْرَاجِهِمْ مَنْ يَفْعَلُ هَذَا عَنْ التَّوَكُّلِ، فَإِنْ احْتَجُّوا بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَدَّخِرُ لَغَدٍ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ خَلْقٌ مِنْ الْفُقَرَاءِ فَكَانَ يُؤْثِرُهُمْ انْتَهَى كَلَامُهُ".
ويشهد لهذا التقرير قوله تعالى: "من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه، ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب"، ولقوله سبحانه: "من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا، ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا، كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا، انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا".
ومنه التخطيط للمستقبل، والاستعداد له مع الاستعداد للآخرة، والثقة بالله تعالى ورجاؤه، وليس ذلك من طول الأمل المذموم كما ظنَّ السائل.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن طال عمره، وحسن عمله، ولا يجعلنا ممن قصر عمره، وساء عمله، ونسأله أن يرزقنا القناعة وحسن الأمل فيه، وفيما عنده في الدار الآخرة، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ