إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل في كشف جنس الجنين منازعة لله في الغيب؟
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاثنين 05 ربيع الأول 1430 الموافق 02 مارس 2009
السؤال

زوجتي حامل، وعندما ذهبت بها إلى الطبيب قال لي: ارجع بعد أسبوعين حتى أحدد لك ما إذا كان الجنين ذكرًا أم أنثى.. هل يجوز لي أن أدع الطبيب يخبرني أم في ذلك إثم؟ وهل أصدقه في ما سيخبرني به؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:
الأصل في التشريع الحكيم هو الحل والإباحة إلا بنص، وليست المعرفة بجنس الجنين مخالفة لنص في الإسلام العظيم حتى يُستراب التحري عنها، وإدراكها بالوسائل العلمية الحديثة؛ خاصة مع قول المحققين بأن العلم المحجوب عن البشر هو العلم التفصيلي بتكوين ومستقبل مشروع الإنسان المقبل؛ وهي أحوال لا يعلمها بالقطع إلا علام الغيوب وحده سبحانه وتعالى، وذلك قبل تخلق الجنين، وتكون البويضة الملقحة Fertilized Ovum أو الزيجوت Zygot في المصطلح الطبي المقابل للنطفة الأمشاج في تعبير القرآن الكريم، والتي تبدأ عندها أطوار تخلق الجنين وفق البرنامج الوراثي المقدر.     
وفي قوله تعالى: "وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَآ إِلاّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاّ فِي كِتَابٍ مّبِينٍ" [الأنعام:59]؛ قصرت الآية الكريمة العلم التفصيلي المسبق بكل مقدر الحدوث قبل وقوعه على الله -تعالى- وحده، وجعلته غيبا عن علم البشر. وذكر القرآن خمسا تتعلق بحياة الإنسان ومصيره؛ يقول تعالى: "إِنّ اللّهَ عِندَهُ عِلْمُ السّاعَةِ وَيُنَزّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مّاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنّ اللّهَ عَلَيمٌ خَبِيرٌ"[لقمان:34]، وقد شمل التعبير (وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ) كل مغيب عن مشروع الإنسان المقبل ومستقبله ومصيره بعد الحساب مما ليس بالقطع بمقدور بشر إدراكه فضلا عن الإحاطة بتفاصيله. ولا يعارض القرآن الكريم إذن معرفة الطب حاليًّا ببعض أحوال الجنين، لأن المحجوب هو العلم المحيط به قبل أن يخلَّق.
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله-: كيف نوفِّق بين علم الأطباء الآن بذكورة الجنين وأنوثته، وقوله تعالى: "وَيَعْلَمُ مَا فِي الأرْحَامِ"؟ فأجاب بقوله: "قبل أن أتكلم عن هذه المسألة أحب أن أبين أنه لا يمكن أن يتعارض صريح القرآن الكريم مع الواقع أبداً، وأنه إذا ظهر في الواقع ما ظاهره المعارضة فإما أن يكون الواقع مجرد دعوى لا حقيقة له، وإما أن يكون القرآن الكريم غير صريح في معارضته؛ لأن صريح القرآن الكريم وحقيقة الواقع كلاهما قطعي، ولا يمكن تعارض القطعيين أبداً، فإذا تبين ذلك فقد قيل: إنهم الآن توصلوا بواسطة الآلات الدقيقة للكشف عما في الأرحام، والعلم بكونه أنثى أو ذكراً، فإن كان ما قيل باطلاً فلا كلام، وإن كان صدقاً فإنه لا يعارض الآية، حيث إن الآية تدل على أمر غيبي هو متعلق علم الله تعالى في هذه الأمور الخمسة، والأمور الغيبية في حال الجنين هي: مقدار مدته في بطن أمه وحياته وعمله ورزقه، وشقاوته أو سعادته، وكونه ذكراً أم أنثى قبل أن يخلَّق، أما بعد أن يخلق فليس العلم بذكورته أو أنوثته من علم الغيب؛ لأنه بتخليقه صار من علم الشهادة، إلا أنه مستتر في الظلمات الثلاث التي لو أزيلت لتبين أمره، ولا يبعد أن يكون فيما خلق الله تعالى من الأشعة أشعة قوية تخترق هذه الظلمات حتى يتبين الجنين ذكراً أم أنثى.. قال ابن كثير رحمه الله: (وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر بكونه ذكراً أو أنثى أو شقياً أو سعيداً علم الملائكة الموكلون بذلك ومن شاء من خلقه)..، وإذا كانت الآية لا تتناول ما بعد التخليق، وإنما يراد بها ما قبله فليس فيها ما يعارض ما قيل من العلم بذكورة الجنين وأنوثته..، ولا يمكن أن يناقض صريح القرآن الكريم أمراً معلوماً بالعيان" [مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد صالح بن العثيمين].
وينقبض الرحم ويغور للداخل بسبب مادة منوية تسمى بروستاجلاندين (Prostaglandin) ويعينها تقلص لا إرادي يقع للمرأة، وبهذا يعمل الرحم عمل المضخ (pumpaction) بطريقة تماثل عمل قطارة العين التي تنقبض لتدفع الهواء ومع الانبساط يقل الضغط داخلها فتشفط السائل العلاجي، وبالمثل ينبسط الرحم لاحقا فيعين الحيوانات المنوية على بلوغ البويضة قرب نهاية قناة الرحم، ولذا لا يقل دوره هذا أهمية عن دوره في حفظ الحمل على طول مراحله، حيث يزداد حجما بما يتناسب ومتطلبات الجنين، وتحمل البويضة نصف عدد الفتائل الوراثية (الكروموزومات)، ويحمل الحوين النصف الآخر، وتتسابق الحيوانات المنوية وتعلو في المجاري التناسلية للمرأة ليحقق الفوز في بلوغ البويضة وإخصابها إما حيوان يحمل شارة الذكورة (كروموزوم بهيئة Y) فيكون الجنين المرتقب ذكراً -بإذن الله- وإما حيوان يحمل شارة الأنوثة (كروموزوم بهيئة X) فيكون الجنين أنثى بإذن الله، والبويضة الملقحة أشبه ما تكون بقطيرة أو "نطفة" لكنها تعرض لمن يمكنه القراءة كتابا بمشروع الجنين، وقبل تلقيح البويضة، وتشكُّل الخريطة الوراثية، وتخلَّق الجنين لا يمكن الحديث طبيًّا عن جنسه أو صفاته الجسدية، وبتلقيحها تتضاعف الفتائل الوراثية، وبالانقسام تتزايد الخلايا، وبنمو الجنين يزداد الرحم، ولذا يعتبر الحمل كله وجوها من الازدياد. وفي قوله تعالى: "اللّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلّ أُنثَىَ وَمَا تَغِيضُ الأرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ" [الرعد:8-9]، أكدت الآية الكريمة قصر العلم التفصيلي المسبق بكل مقدر الحدوث قبل وقوعه على الله تعالى وحده، لكنها جمعت لله تعالى وحده ما هو بالنسبة للبشر غيب لم يقع بعد، فضلا عما هو شهادة متحقق الحدوث، وراعت ترتيب علم الله تعالى بالغيب بالنسبة للبشر ليناظر غيض الأرحام وترتيب العلم بالشهادة ليناظر زيادتها، ويعرف هذا الأسلوب عند اللغويين باسم (اللف والنشر)، ويعني أن الأرحام تغيض قبيل تخلّق الجنين وازديادها، وبالفعل ينقبض الرحم، ويغور للداخل قبل وقوع الإخصاب، وتشكل الخريطة الوراثية، ولا يمكن لأحد حينئذ سوى الله تعالى وحده العلم بخصائص الجنين أو ذكورته وأنوثته. وفعل (تَغِيضُ) منسوب ابتداء في الآية الكريمة إلى (الأرْحَام)، وفي مقابل الازدياد يفيد الغور والنقصان، وهو نفس المعنى في اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم؛ يقول تعالى: "وَقِيلَ يَأَرْضُ ابْلَعِي مَآءَكِ وَيَسَمَآءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَآءُ" [هود:44]، ويقول تعالى: "أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْراً فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً" [الكهف:41]، ويقول تعالى: "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُمْ بِمَآءٍ مّعِينٍ" [الملك:30]، وفي لسان العرب: "غاض الماء يغيض غيضا.. نقص أو غار" [لسان العرب (7/201)]. والخلاصة أن الله تعالى يعلم بمستقبل ومصير الإنسان المقبل الذي لم يتخلق بعد حال غيض الأرحام تماما كما هو حال زيادتها بعد تخلقه.
ويأتي الحديث مؤيداً نسق القرآن الكريم في قصر الغيب المطلق على الله تعالى وحده حال غيض الأرحام قبل تخلق الجنين دون حال ازديادها بعد تخلقه؛ ففي الحديث الذي رواه البخاري وغير واحد: "عن ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، لا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله، ولا يعلم ما في غد إلا الله، ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله، ولا تدري نفس بأي أرض تموت إلا الله، ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله)" [صحيح البخاري (6/2687)، (4/1733)، تفسير ابن كثير (2/503)، تفسير الثوري (1/239)، الدر المنثور (3/277)، صحيح ابن حبان (1/273)، السنن الكبرى (6/370)، عمدة القاري (18/313)، (25/86)، التمهيد لابن عبد البر (24/379)].
قال ابن كثير: "هذه مفاتيح الغيب التي استأثر الله تعالى بعلمها فلا يعلمها أحد.. فعلم وقت الساعة لا يعلمه نبي مرسل، ولا ملك مقرب.. وكذلك إنزال الغيث لا يعلمه إلا الله، ولكن إذا أمر به علمته الملائكة، ومن يشاء الله من خلقه، وكذلك لا يعلم ما في الأرحام مما يريد أن يخلقه تعالى سواه، ولكن إذا أمر علمته الملائكة، ومن شاء الله من خلقه، وكذا لا تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض تموت.. وقد وردت السنة بتسمية هذه الخمس مفاتيح الغيب" [تفسير ابن كثير (3/454)]. وقد ورد في الحديث أن الملائكة تعلم بحال الجنين منذ بدء تكون النطفة، ففي الحديث الذي رواه البخاري وغير واحد: عن أنس بن مالك –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: "إن الله عز وجل وكل بالرحم ملكا يقول: يا رب نطفة، يا رب علقة، يا رب مضغة. فإذا أراد أن يقضي خلقه، قال: أذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ فيكتب في بطن أمه". [صحيح البخاري (1/121)، (3/1213)، (6/2433)، وصحيح مسلم (4/2038)، ومسند أحمد (3/116)، (3/148)].
يقول فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني: "وإذًا هناك نصوص قد بينت بجلاء أن الأمر المحجوب عن علم غير الله إنما هو في مرحلة ما قبل تكون الجنين، فعلمنا أن الأرحام قبل أن تزداد حتى يراها كل المحيطين بالحامل تعاني من حالة تقلص وانكماش وغور ونقصان، وفي تلك الفترة حال الجنين المرتقب محجوب عن علم غير الله تعالى..، (فهو) مفتاح من مفاتيح الغيب يفتح على أبواب مغلقة، ولا يملكه دون الخالق سبحانه أحد.. وأما حمل الغيض على دم الحيض (أو السقط) فلا يتفق مع كونه مفتاحا للغيب؛ لأنه لن ينشأ منه جنين، وبإجماع علماء المسلمين مفتاح الغيب متعلق بالإنسان الذي سيخلق، وقد تقرر في علم الله تعالى أن له مستقبلا مغيبا وليس دم الحيض (أو السقط) كذلك. وفي مرحلة الغيض يستحيل على إنسان أن يعرف صفات الجنين المقبل.. ولو جئت بصفين؛ وقلت: أنا سأصنع من هذه الأحجار بناء هل سيعلم أحد السامعين يقينا أيكون من الصفين مدرسة أم مستشفى؟ فيلا أم عمارة ؟ هكذا الجنين في مرحلة الغيض لا يعلم أحد -غير الله تعالى- بما سيكون عليه حاله" [من مقالات فضيلة الشيخ عبد المجيد الزنداني]. ولو افترضنا جدلا إذن إمكان قراءة الخريطة الوراثية في البويضة الملقحة عند بدء تخلق الجنين، ومعرفة جنسه وصفاته المقدرة قبل تحققها في الواقع فلن ينقض هذا نصوص الوحي.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ