إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان درجة حديث الأمر بالزواج لمن اشتكى الفقر
المجيب
محمود شعبان عبد المقصود
باحث شرعي بموقع الإسلام اليوم
التاريخ السبت 24 ربيع الأول 1430 الموافق 21 مارس 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته تحية طيبة ,,, وبعد: لدي سؤال عن حديث يتم تداوله بنطاق واسع وبكثرة، أتمنى النظر في صحته من عدمه وتوضيح درجة الصحة فيه، والحديث هو: أن رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي الفقر، فنصحه النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوج، فتزوج الرجل، ثم عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشتكي الفقر، فنصحه بالزواج، فتزوج، وتكرر الأمر وبعد الزواج من الرابعة كانت الرابعة تغزل وتبيع فغارت زوجاته الثلاثة وتعلمن الغزل منها،وبدأ الرجل يبيع ما تصنعه زوجاته الأربع فأصبح غنيًّا.
أرجو الإفادة للأهمية لدرء أو تأكيد هذه المفاهيم التي انتشرت في الآونة الأخيرة. وفقكم الله وسدد خطاكم.

الجواب

بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فهذا الحديث لم أقف عليه مطولًا هكذا على شهرته، وإنما وقفت على ما أخرجه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (1/365) من طريق سعيد بن محمد المدني، عن ابن المنكدر، عن جابر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو إليه الفاقة، فأمره أن يتزوج.
وهذا إسناد لا يصح، فقد استنكره الذهبي، فأورده في ميـزان الاعتدال (3/226) في ترجمة سعيد بن محمد المدني، ونقل عن أبي حاتم قوله: سعيد ليس حديثه بشيء.
وفي معناه بإسناد مرسل أو معضل ما أخرجه الثعلبي في تفسيره (7/95) من طريق عبد العزيز الدراوردي، عن ابن عجلان، أنَّ رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الحاجة، فقال: "عليك بالباءة". وشكى رجل إلى أبي بكر رضي الله عنه بعد النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه الحاجة، فقال: عليك بالباءة. وجاء رجل إلى عمر رضي الله عنه بعد أبي بكر فشكا إليه الحاجة، فقال: عليك بالباءة. كلُّ يريد قوله سبحانه "إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [النور:32]. قال ابن عجلان: وقال أبو بكر وعمر رضي الله عنهما: ابتغوا الغنى في النكاح.
وهذا مع إعضاله أو إرساله، فقد خولف فيه الدراوردي، فأخرج أحمد (9631)، والترمذي (1655)، والنسائي (3218، 3120)، وابن ماجه (2518)، وابن حبان (4030)، والحاكم (2/160، 217)، وغيرهم، من طريق الليث وابن المبارك ويحيى بن سعيد القطان وغيرهم، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "ثلاثة حق على الله عونهم؛ المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف". وإسناده جيد، قال الترمذي: حديث حسن. وصححه جماعة من أهل العلم.
وقد قال تعالى: "وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ" [النور:32].
قال الشيخ السعدي رحمه الله: وقوله: "إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ" أي: الأزواج والمتزوجين "يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ" فلا يمنعكم ما تتوهمون، من أنه إذا تزوج، افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه، وفيه حث على التزوج، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر "وَاللَّهُ وَاسِعٌ" كثير الخير عظيم الفضل "عَلِيمٌ" بمن يستحق فضله الديني والدنيوي أو أحدهما، ممن لا يستحق، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه حكمه. انتهى.
وفي الباب بدون القصة أيضًا بأسانيد ضعيفة:
1- "التمسوا الرزق بالنكاح".
أخرجه الثعلبي في تفسيره (7/95) من طريق مسلم بن خالد الزنجي، عن سعيد بن أبي صالح، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
ومسلم بن خالد الزنجي ضعفوه، وشيخه سعيد بن أبي صالح هو: سعيد العلاف، قال الإمام أحمد: هو مكي. قيل له كيف حاله؟ قال: لا أدري، وما علمت أحدًا روى عنه غير مسلم بن خالد. كما في جامع العلوم والحكم (ص695). وينظر في سماعه من ابن عباس رضي الله عنهما، فقد ذكر ابن سعد في الطبقات (5/487) أنه توفي سنة تسع وعشرين ومائة.
2- "تزوجوا النساء؛ فإنهن يأتينكم بالمال".
أخرجه البزار في مسنده (1402- كشف الأستار)، والدارقطني في العلل (15/61-62)، وابن مردويه في تفسيره- كما في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في تفسير الكشاف للزيلعي (2/443-444)- وأبو أحمد الحاكم في الكنى- كما في البدر المنير لابن الملقن (7/430)- والحاكم في المستدرك (2/ 161)، والخطيب في تاريخه (9/147) من طريق أبي السائب سَلْم بن جُنادة، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها.
وأخرجه السهمي في "تاريخ جرجان" (ص242) من طريق حسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً بلفظ: "عليكم بالتزويج فإنه يحدث الرزق". 
وحسين بن علوان كذاب.
فالحديث تفرد به سَلْم بن جنادة عن أبي أسامة، وخالفه غيره فأرسله، فلم يذكر فيه عائشة رضي الله عنها، ورجّح المرسل الدارقطني وغيره.
والمرسل أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (15913)، وأبو داود في المراسيل (203).
وانظر المقاصد الحسنة (ص 108) (162)، وكشف الخفاء (1/202 – 203، 361) والسلسلة الضعيفة (2487، 3400).
وفي الباب آثار موقوفة عن الصحابة: أبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وغيرهم رضي الله عنهم، وعن التابعين: طلحة بن مصرف، وغيره، عند عبد الرزاق في مصنفة (10385، 10393)، والطبري في تفسيره (9/311)، وانظر الدر المنثور (11/42-43)، والمصادر السابقة.
والخلاصة:
أن هذه القصة لا تصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورويت عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم وغيرهم، والصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه مرفوعًا: "ثلاثة حق على الله عونهم؛ المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف". وإسناده جيد، قال الترمذي: حديث حسن. وصححه جماعة من أهل العلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ