إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان ما أصل الضرورات تبيح المحظورات
المجيب
د. محمد بن حسين الجيزاني
عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية في المدينة النبوية
التاريخ الاثنين 16 جمادى الأولى 1430 الموافق 11 مايو 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

هناك من يقول (الضرورات تبيح المحظورات) فما أصل هذا الكلام، هل هو حديث؟ وإن لم يكن حديثًا فم حكم العمل به؟

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن قولهم: (الضرورات تبيح المحظورات) ليس بحديث، وإنما هو قاعدة فقهية، متفق على صحة العمل بها.

ومعنى هذه القاعدة: أن المسلم إذا وقع في حالة الاضطرار -وهي الحرج الشديد- فإنه يجوز له ارتكاب شيء من المحرمات.

والأدلة على هذه القاعدة كثيرة، فمنها:

* قوله تعالى: "إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم" [البقرة: 173].

* "وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه".

* "من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم" [النحل: 106].

* قوله صلى الله عليه وسلم "لا ضرر ولا ضرار" رواه ابن ماجه: (2/784) برقم (2341) والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة: (1/443) برقم (250).

* ما رواه أبو واقد الليثي –رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول اللـه: إنّا بأرض تصـيبنا بها مخـمصـة فما يحل لنا من الميتة؟ قال: "إذا لم تصـطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بقلاً فشأنكم بها" رواه أحمد في المسند: (1600) برقم (22243)، (22246) والحديث صححه الحاكم: (4/125).

وفي هذا المقام تنبيهان:

التنبيه الأول: أن هذه القاعدة دليل على أن هذه الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد، ودرء المفاسد عنهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وهي رحمة كلها، وعدل كلها.

وبذلك تعرف سعة هذه الشريعة ومرونتها وخلودها، وأنها صالحة لكل زمان ومكان.

التنبيه الثاني: أن كثيرًا من الناس قد غلط في فهم هذه القاعدة وفي تطبيقها، حيث تساهل البعض في تنزيل حالة الضرورة وتطبيقها على غير محلها، وحصل من البعض الآخر استرسال وتوسع في فعل بعض المحرمات دون تحفظ ولا تقييد.

والواجب إزاء حالة الاضطرار أمور ثلاثة:

الأول يجب اتخاذه قبلها، والثاني معها، والثالث بعدها:

أما الأمر الذي يجب فعله قبل الوقوع في الضرورة فهو التثبت من وقوع الاضطرار، وذلك بتعذُّر البدائل المباحة، وتعين ارتكاب المحظور الشرعي.

وأما الأمر الذي يجب فعله أثناء الضرورة فهو الاقتصار منها على القدر الذي يرفع الضرر، دون زيادة ولا اعتداء.

والأمر الثالث الذي يجب بعدها هو السعي الدؤوب الجاد لإزالة هذه الضرورة، وبذل الجهد في سبيل رفعها، وعدم الركون إلى الترخص والاستسلام له والطمأنينة إليه.

والله الموفق، والحمد لله رب العالمين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ