إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان بين حفظ القرآن وشواغل البيت
المجيب
البندري بنت عبد العزيز العمر
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
التاريخ الخميس 13 ربيع الثاني 1430 الموافق 09 إبريل 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أنا فتاة، همي الأكبر هو حفظ القرآن الكريم، ولكن المشكلة أن والدتي ترفض أن أنظم وقتي، وتريدني دائماً بجوارها، حاولت أن أشرح لها اهتماماتي, أنني أتمنى أن أكون من الحفظة، وأن هذا يتطلب تنظيم الوقت وتقسيمه، وأنه لا بد أن يكون هناك وقت لهم ووقت للحفظ، ووقت للنوم، لكنها -حفظها الله- لا تريد، وتحملني مسؤوليات كثيرة وخاصة بعد التخرج! أنا أتمنى أن أخدمهم؛ ولكن لا بد من التنظيم حتى أستطيع الإنتاج ونفع نفسي أولاً، ثم نفع الأمة الإسلامية ثانياً, في الآونة الآخيرة بدأت أشعر أنني لا يمكنني الإنتاج بالمستوى الذي أطمح إليه؛ نظراً لهذا التعنت المستمر. أنا لست الوحيدة بالمنزل ولكنني الأفضل خدمة.والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إلى الأخت السائلة – حفظها الله ورعاها-: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وبعد:
أشكرك على حرصك وعلو همتك، وأسأل الله – عز وجل- أن يحقق لك ما تتمنين عاجلاً غير آجل، وأن يجعله عوناً على طاعته، وسبباً موصلاً لجنته ومرضاته. اللهم آمين.
أختي المباركة: حماس طيب تتسمين به، لكن – للأسف- أدى نتيجة لعدم الشمولية في فقه الأحكام والتكاليف إلى الوقوع في الزلل والخطأ، وعدم فقه الأولويات.
آلمني كثيراً ما ختمت به كلامك، حيث قلت: (في الآونة الأخيرة بدأت أشعر أنني لا يمكنني الإنتاج بالمستوى الذي أطمح إليه نظراً لهذا التعنت المستمر).
هل يليق بك أن تصفي محبة والدتك وقربك منها ونفعك لها بالتعنت؟! قد تخون العبارة صاحبها فانتبهي – رعاك الله-.
عزيزتي: كثير ممن هن في سنك يشكين ذات الشكوى، وحقيقة الأمر أن المشكلة لا تكمن في رفض الأسرة تنظيم البنت وقتها، وإنما لأن الفتاة لا تحسن كيف تنظم وقتها بالطريقة التي تحقق آمالها وترضي ربها، ومن له حق عليها.
تأملي لِمَ قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: "واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" بعدما قال: "إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا" أخرجه البخاري (39).
مشاغل الناس تختلف، ومتطلبات الأسر كثيرة، وما يناسب فلانة من الأوقات لأعمال الخير والبر قد لا يناسب غيرها لاختلاف المسؤوليات، ولذا ذكر النبي –صلى الله عليه وسلم- ثلاثة أوقات: "الغدوة" وهي أول النهار، "والروحة" وهي وسط النهار، و"الدلجة" وهي الليل، فيستغل المرء شيئاً منها، فانظري ما يناسبك منها.
في تصوري أن الإشكال وقع لأنك تريدين التضرع بشكل كافٍ، أو لأنك رسمت لنفسك برنامجاً قد يكون مريحاً نوعاً ما، وأقول: إن كنت جادة فعلاً، وذات طموح، فبإمكانك إيجاد الوقت المناسب لنيل هدفك وتحقيقه، فبإمكانك مثلاً أن تستيقظي قبل الأهل بساعة وتنامي بعدهم بساعة، وتستغلي قبيل الفجر أو بعد صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، أو قبيل الفريضة أو بعدها بخمس دقائق.
كل هذه أوقات خالية من المزاحمة، فهلا حرصتِ عليها!
لا أخفيك أن فتى قد ختم حفظ كتاب الله في أيام الاختبارات الفصلية للفصل الثاني من المرحلة التوجيهية.. فهل هناك شغل أشد على الطلاب من أيام كهذه؟! لكن الحاجة والعزيمة تفتت الحيلة.
أخيراً: أنصحك بقراءة كتاب الأدب من فتح الباري لابن حجر – رحمه الله- شرح صحيح البخاري؛ ففيه مسائل عظيمة ولطيفة تتعلق ببر الوالدين، وأود أن أهمس في أذنك: إن بر الوالدين والقيام بحاجتهما عند احتياجهما للخدمة مقدم على النوافل وفروض الكفايات، وللوالدين أن يمنعا ولدهما من صيام التطوع أو الذهاب لمجالس الذكر إذا كان ذلك يعيق الولد عن القيام بحقهما، ويأثم الولد إن خالف؛ لما فيه من إلحاق المشقة بالوالدين.
ثم وجود غيرك لا يعفيك عن الامتثال إذا عُيِّنت لغرض صحيح – ككونك الأفضل خدمة-، ويكفيك من شرف وفضل طاعة والدتك، أن الوالد أوسط أبواب الجنة كما في الحديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم- انظر جامع الترمذي (1900)، وسنن ابن ماجة (2089). فرب عمل يحتقره العبد – وللأسف- يكون هو سبيله لمرضاة ربه والفوز بجناته.
أكرر سروري بحرصك، وأسأل الله –تعالى- أن ينفع بك الأمة، ويجعلك من خير القدوات، بارك الله فيك، وحقق لك خيراً مما تتمنين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ