إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان متى تدخل الفرائض صاحبها الجنة؟
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ الاحد 25 ربيع الأول 1430 الموافق 22 مارس 2009
السؤال

أسمع كثيراً وأقرأ على سبيل المثال: من صلى البردين دخل الجنة، ومن فعل كذا دخل الجنة، فإذا كان المسلم مقيم الصلاة والأركان والواجبات، ونهاية المطاف مآلة إلى الجنة فما هو تفسير هذه الأحاديث؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
يجب على المسلم ابتداءً الامتثال لأوامر الشرع، سواء عرف الحكمة من التشريع أو لم يعرف، وعلى المسلم أن يتهم فهمه عند عدم فهم مراد الشارع، والجمع بين النصوص المتعارضة في الظاهر.
ثم لتعلم أخي أن العبادات مجموعة متكاملة من الأقوال والأفعال الواجبة والمستحبة، وبينها ترابط في تحقيق غايات كل مؤمن، وهي دخول الجنة والفوز برضوان الله تعالى، ثم النظر إلى وجهه الكريم، وما نقص من الأقوال أو الأفعال الواجبة كملته النوافل المستحبة، فأسهمت في تحقيق أجمل غاية للمؤمن، ولما كان دخول الجنة هو أجل مطلوب وأفضل مرغوب جعله الشارع جزاءً لكثير من الأعمال والأقوال، ولو أن رجلاً اكتفى بأداء الفرائض والواجبات كاملة بلا نقصان ولا إخلال، واجتنب المنهي عنه خوفاً من الله تعالى دخل الجنة، وإن لم يزد على الواجبات شيئاً من النوافل بنص كلام النبي صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري ومسلم عن أبي أيوب قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة ويباعدني من النار، قال: تعبد الله لا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل رحمك، فلما أدبر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن تمسك بما أمر به دخل الجنة"، وفي صحيح البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة قال: تعبد الله لا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان، قال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئاً أبداً ولا أنقض منه، فلما ولى قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا".
وفي البخاري ومسلم واللفظ له عن أبي سهل عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل نجد ثائر الرأس، نسمع دوي صوته ولا نفقه ما يقول، حتى دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يسأل عن الإسلام: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل علي غيرهن؟ قال: لا إلا أن تطوع، وصيام شهر رمضان، فقال: هل علي غيره؟ فقال: لا إلا أن تطوع، وذكر له رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة، فقال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، قال فأدبر الرجل وهو يقول والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أفلح إن صدق" وفي رواية: " أفلح وأبيه إن صدق، أو دخل الجنة وأبيه إن صدق".
وفي مسلم أيضاً: عن جابر قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم النعمان بن قوقل فقال يا رسول الله: أرأيت إذا صليت المكتوبة، وحرمت الحرام، وأحللت الحلال أأدخل الجنة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "نعم". قال ابن رجب: فهذا الحديثُ يدلُّ على أنَّ من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرَّمات، دخلَ الجنة، وقد تواترتِ الأحاديثُ عَنِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- بهذا المعنى، أو ما هو قريبٌ منه...) وقال النووي رحمه الله في بيان مثل هذه الأحاديث: بمعنى أنه إذا لم يزد ولم ينقص كان مفلحا؛ لأنه أتى بما عليه، ومن أتى بما عليه فهو مفلح، وليس في هذا أنه إذا أتى بزائد لا يكون مفلحا؛ لأن هذا مما يعرف بالضرورة فإنه إذا أفلح بالواجب فلأن يفلح بالواجب والمندوب أولى...)، ثم قال: (وأما النوافل-أي تركها- فقيل يحتمل أن هذا كان قبل شرعها، ويحتمل أنه أراد أنه لا يصلي النافلة مع أنه لا يخل بشيء من الفرائض، وهذا مفلح بلا شك، وإن كانت مواظبته على ترك السنن مذمومة، وترد بها الشهادة إلا أنه ليس بعاص بل هو مفلح ناج)، وقال ابن رجب: (ومراد الأعرابي أنَّه لا يزيدُ على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحجِّ البيت شيئاً من التطوُّع، ليس مرادُه أنَّه لا يعمل بشيءٍ من شرائعٍ الإسلام وواجباته وغير ذلك، وهذه الأحاديثُ لم يذكر فيها اجتناب المحرَّمات؛ لأنَّ السائل إنَّما سأله عَنِ الأعمال التي يدخل بها عامِلُها الجنَّة)، ثم قال: (وهذا كلُّه من ذكر السبب المقتضي الذي لا يعمل عمله إلاَّ باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه)، قلت: وما دمنا نقصر في الواجبات، ويعتريها بعض الخلل والنقص، كان لابد من جبرها بالنوافل حتى تكتمل فنستحق دخول الجنة بفعلها مع الفرائض بإذن الله، ومن هنا نعلم أن الثواب بدخول الجنة المذكور في النوافل إنما هو لتكميل نقص الفرائض التي هي في نفسها تدخل الجنة، ولكن لما عجزت الفرائض بالإخلال فيها عن إدخالنا الجنة جعل لنا الشارع من النوافل ما نعوض به النقص لنستحق ذلك الثواب وهو دخول الجنة، والله أعلم، ولذا قال القرطبي رحمه الله في كلام جميل له:لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم للسائل في هذا الحديث شيئاً من التطوعات على الجملة، وهذا يدل على جواز ترك التطوعات على الجملة، لكن من تركها ولم يعمل شيئاً فقد فوَّت على نفسه ربحاً عظيماً وثواباً جسيماً، ومن داوم على ترك شيء من السنن كان ذلك نقصاً في دينه، وقدحاً في عدالته، فإن كان تركه تهاوناً ورغبة عنها، كان ذلك فسقاً يستحق به ذماً.
قال علماؤنا: لو أن أهل بلدة تواطؤوا على ترك سنة لقوتلوا عليها حتى يرجعوا، ولقد كان صدر الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم يثابرون على فعل السنن والفضائل مثابرتهم على الفرائض، ولم يكونوا يفرقون بينهما في اغتنام ثوابها، وإنما احتاج أئمة الفقهاء إلى ذكر الفرق لما يترتب عليه من وجوب الإعادة وتركها وخوف العقاب على الترك ونفيه إن حصل ترك بوجه ما. وإنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم تنبيهه على السنن والفضائل تسهيلاً وتيسيراً لقرب عهده بالإسلام لئلا يكون الإكثار من ذلك تنفيراً له، وعلى أنه إذا تمكن في الإسلام وشرح الله صدره رغب فيما رغب فيه غيره، أو لئلا يعتقد أن السنن والتطوعات واجبة فتركه لذلك...
وإنما شرعت -أي التطوعات- لتتميم الفرائض، فهذا السائل والذي قبله، إنما تركهما النبي صلى الله عليه وسلم تسهيلاً عليهما إلى أن تنشرح صدورهما بالفهم عنه، والحرص على تحصيل المندوبات فيسهل عليهما، وهذا يسمى بمحافظته على فرائضه وإقامتها والإتيان بها في أوقاتها من غير إخلال بها فلاحاً كثير الفلاح والنجاح -وياليتنا وفقنا- كذلك ومن أتى بالفرائض وأتبعها بالنوافل كان أكثر فلاحاً منه)ا.هـ بتصرف يسير.
وقال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى: (فعلم بذلك أن التطوع ليس شرطا في العدالة، وليس شرطاً في الإيمان، ولكنه من المكملات، ومن أسباب الخير العظيم، ومضاعفة الحسنات، ومن أسباب دخول الجنة مع المقربين)، وأخيراً تذكر أخي أن تلك النصوص التي ذكرتها وتقصدها هي نصوص الترغيب، ولا شك أن المسلم مآله إلى الجنة، ولكن لا يجوز إهمال أو تجاهل نصوص الوعيد الكثيرة الواردة في فعل المنكرات والمعاصي، والتي قد توبق صاحبها النار، وتمنعه دخول الجنة، وإن كان مسلما، وإن كان سيخرج منها بعد ذلك إلى الجنة كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، فينبغي للمسلم أن يتنقل بين جناحي الرجاء والخوف، ويعمل صالحاً، ويكثر من الطاعات والنوافل، ويعبد ربه حتى يأتيه اليقين "ومن يؤمن بالله ويعمل صالحاً يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم" نسأل الله لنا ولجميع المسلمين التوفيق والهداية وحسن الخاتمة، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ