إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان منهج الترجيح عند المحدثين
المجيب
د. بندر بن نافع العبدلي
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الخميس 05 جمادى الأولى 1430 الموافق 30 إبريل 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. ما مفهوم الترجيح في اصطلاح المحدثين، وما هي الأحوال التي يلجأ فيها المحدثون إلى الترجيح؟.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
وضع علماء الحديث قواعد يستعين بها النقاد على الموازنة والترجيح.
وقد قُسِّمت هذه القواعد إلى قسمين:
قسم متعلق بترجيح روايات الثقات عند الموازنة بينها، بحيث لا يوجد جرح واضح لأي واحد منهم، وإنما الاعتماد على قاعدة التغليب العامة.
وقسم يتعلق بترجيح روايات الرواة من حيث وجود عامل خارجي غير لازم يقدح في بعض الرواة، مثل أن يضعف الراوي في مكان دون مكان، أو زمان دون زمان، أو في شيخ دون شيخ [شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ص332].
وفي القسم الأول سرد ابن رجب مشاهير الثقات الذين تدور غالب الأحاديث الصحيحة عليهم، وبيان مراتبهم في الحفظ، والمقصود من ذلك تثبيت المعيار الذي على أساسه يعرف الخطأ ويستبان مأتاه، فالثقة ليس من دليل على خطئه إلا مخالفته لمن هو أوثق منه، أو للثقات الذين اجتمعوا على مخالفته.
وقد اتفقت كلمة المحدثين على زمرة من الرواة اعتبروهم أقل الرواة خطأً، فكانوا أجدر بجعلهم قطب الرحى التي يدور حولها تقويم الآخرين، فمرويات الثقات وغيرهم تعرض على مرويات أولئك المتقنين، فإن وافقتها دل ذلك على اضطراد ضبطهم وسلامة مروياتهم، وإن حصلت المخالفة دل على أن أولئك الثقات قد أخطأوا في ذلك الموضع بعينه، ولا يؤثر ذلك في عدالتهم وضبطهم بالوجه الأعم.
وغالب هذا القسم فوائد متعلقة بمشاهير الثقات، وذكر من عرف بالأخذ عنهم، وترجيح روايات بعضهم على بعض.
أما القسم الثاني فقسمه على ثلاثة أنواع:
النوع الأول: من ضعف حديثه في بعض الأوقات دون بعض، وهؤلاء هم الثقات الذين خلطوا في آخر عمرهم، وهم متفاوتون في تخليطهم، فمنهم من خلط تخليطا فاحشا، ومنهم من خلط تخليطا يسيرا.
النوع الثاني: من ضعف حديثه في بعض الأماكن دون بعض، وهو على ثلاثة أضرب:
الأول: من حدث في مكان ولم يكن معه فيه كتبه فخلط.
الثاني: من حدث من أهل مصر أو إقليم فحفظ حديثهم، وحدث عن غيرهم فلم يحفظ.
الثالث: من حدث عنه أهل مصر أو إقليم فحفظوا حديثه، وحدث عنه غيرهم فلم يقيموا حديثه.
النوع الثالث: قوم ثقات في أنفسهم لكن حديثهم عن بعض الشيوخ فيه ضعف بخلاف حديثهم عن بقية شيوخهم [شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي ص333-433].وقد اتبع ابن رجب ذلك كله بذكر قواعد وفوائد ترجيحية أخرى منها:
- من ضعف في آخر عمره وصار يتلقن.
- من ضعف حديثه عن شيوخ بأعينهم، وإن كان حافظًا مشهورًا.
-  من ضعف حديثه إذا جمع الشيوخ دونما إذا أفردهم.
-  من حدث عن ضعيف وسماه اسم ثقة.
-  من روى عن ضعيف وسماه باسم يتوهم أنه ثقة.
- من سمع من ثقة مع ضعيف فأفسد حديثه وهو لا يشعر.
ومن ا لقواعد التي ذكرها ابن رجب ليلاحظها الناقد عند سبر الرواة ومروياتهم:
- الصالحون غير العلماء يغلب على حديثهم الوهم والغلط.
- الفقهاء المعتنون بالرأي حتى يغلب عليهم الاشتغال به لا يكادون يحفظون الحديث كما ينبغي، ولا يقيمون أسانيده ولا متونه، ويخطئون في حفظ الأسانيد كثيرا.
- المتأخرون من الحفاظ ممن ليسوا بفقهاء يحصل الخطأ في مروياتهم والاختصار المخل.
- إذا روى الحفَّاظ الأثبات حديثا بإسناد واحد، وانفرد واحد منهم بإسناد آخر ؛ فإن كان المنفرد ثقة حافظا فحكمه قريب من حكم زيادة الثقة في الأسانيد أو في المتون.
- حذاق النقاد من الحفاظ لكثرة ممارستهم للحديث ومعرفتهم بالرجال وأحاديث كل واحد منهم لهم فهم خاص يفهمون به أن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان، فيعللون الأحاديث بذلك، وهذا مما لا يعبر عنه بعبارة تحضره، وإنما يرجع فيه أهله إلى مجرد الفهم والمعرفة التي خصوا بها عن سائر أهل العلم [شرح علل الترمذي لابن رجب ص425-505. وقد ناقشنا معنى هذا الكلام عند الحديث عن معنى الإلهام عند نقاد الحديث].
وختم ابن رجب كتابه بذكر قواعد في الجرح والتعديل هي أقرب ما تكون إلى قواعد متعلقة برواة معينين استفادها النقاد من الاستقراء الواسع لمروياتهم ولمرويات الرواة عنهم [السابق ص514-531].
وأليق بهذه القواعد أن تورد في باب الجرح والتعديل على نسق ما قسمنا به نظريات النقد عند المحدثين، فلتراجع هناك.
إنَّ القيمة العلمية لهذا التأصيل الذي أتى به ابن رجب لا يمكن تقديرها حق قدرها إلا إذا توصلنا إلى حجم الاطلاع الواسع، والاستقراء التام، والتتبع الدقيق الذي عاناه ابن رجب لتخليص تجربة النقاد من أهل الحديث في تلك الفوائد المختصرة والقواعد الجامعة.
لكن هذا التأصيل والتقعيد لا يحتم على الناقد أن يعمِّم هذه القواعد على أفرادها بصرامة عند التطبيق، بل يجب مراعاة خصوصيات أحوال الرواة على النحو المبين في كتب الجرح والتعديل والعلل، وهذا مأخوذ من تصرفات النقاد.. والله الموفق..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ