إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان لماذا يحتكر المسلمون الجنة؟!
المجيب
خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاثنين 28 ذو الحجة 1428 الموافق 07 يناير 2008
السؤال

أنا طالب بإحدى الجامعات الغربية، وتقتضي دراستي الاختلاط والتعامل مع غير المسلمين، ومع مسلمين عاشوا مدة طويلة في الغرب، وهناك شبهات يطرحونها فلم أستطع الرد، وأكثر الشبهات جدلاً: لماذا الجنة للمسلمين وحدهم دون النصارى، ولماذا مصير النصراني -بعد وفاته- النار، فقد يكون لم يصل إليه الإسلام؟
كما أن في الإسلام إذا ترك الرجل دينه يدخل النار فكذلك في النصرانية، ويقولون: لماذا يدخل النار بينما هو رجل طيب يقدم المساعدة لأي كان؟ فإن قلنا لهم: مكتوب في كتبكم: إن هناك نبيًّا اسمه محمد: يقولون: ليس موجوداً. فيرون كل شخص طيب يدخل الجنة، ولا يشترط فيه أن يكون مسلمًا.
أرجوكم ساعدوني في حل هذه المشكلة، خصوصاً وأن البعض قد انساق خلفهم!

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فالديانات بشكل عام -سواء منها السماوي أو غير السماوي- تقوم على مبدأ الحقيقة الواحدة، بمعنى أن الدين الصحيح الموجب للنجاة هو دين واحد، والمتبع لما سواه متعرض للهلاك الأخروي والعذاب الأبدي، ولأجل ذلك كان تغيير الدين يعد جرماً لا مغفرة له، وربما يكون عقوبته القتل كما عند المجتمعات الشرقية.
وعندما نأخذ الدين النصراني أنموذجًا فإن المتبع لغير الدين النصراني -حسب رأي معتنقيه- يعتبر غير ناجٍ النجاة الأخروية، بل العذاب السرمدي الأبدي ينتظره في الآخرة كما نطق بذلك الكتاب المقدس، وحكمه في الدنيا أنه غير مؤمن بالمسيح (أي كافر)، وهذا لن يكون كمن آمن به بالمعتقد الذي تبنته النصرانية من معتقد التثليث والصلب وغيره، فمن آمن به فله النجاة (الجنة بلغة المسلمين)، ومن لم يؤمن به فله الهلاك والعذاب الأبدي (النار بلغة المسلمين).
وما يعتقده النصارى في يوم الدينونة صارخ بذلك، ومضمونه أن المسيح -على حد زعمهم- سينزل في آخر الزمان ليدين الخلائق، فمن آمن به فله الخلاص والنعيم الأبدي، ومن لم يؤمن به فله العذاب والشقاء الأبدي، وغالب أسفار الكتاب المقدس أشارت إلى هذا، فعلى سبيل المثال لا الحصر ما جاء في سفر يوحنا (3 : 36): "الذي يؤمن بالابن -أي المسيح- له حياة أبدية. والذي لا يؤمن بالابن لن يرى حياة، بل يمكث عليه غضب الله".
وفي إنجيل متى (12 : 31 ،32): "كل خطيئة وكفر يُغفر للناس، وأما الكفر بالروح القدس فلن يغفر لهم. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في الدنيا ولا في الآخرة ".
والنص المشهور الذي يحفظه كل المسيحيين ما جاء في إنجيل يوحنا (3 : 16): "هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية". ومفهوم هذا أن الذي لا يؤمن به فسوف يهلك.
ويوم الدينونة موجود بشكل أوسع في سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي، فقد جاء في سفر متى (27:16): "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله".
ويصف يوحنا كيفية هذه الدينونة، وكيف يدين المسيح الخلائق، فقد جاء في سفر رؤيا يوحنا: (13:20-15): "ورأيت الأموات صغاراً وكباراً أمام الله وانفتحت أسفار، وانفتح سفر آخر وهو سفر الحياة، ودين الأموات مما هو مكتوب في الأسفار بحسب أعمالهم. وسلم البحر الأموات الذين فيه، وسلم الموت والهاوية الأموات الذين فيهما، ودينوا كل واحد بحسب أعماله. وطرح الموت والهاوية في بحيرة النار. هذا هو الموت الثاني. وكل من لم يوجد مكتوباً في سفر الحياة طرح في بحيرة النار".
وعلى ما سبق ذكره فليس الإسلام غريباً من بين الديانات التي لا تلتزم بنجاة من لم يؤمن بها، بل الإسلام أفضل منها، بحيث إنه لا يقول بتعذيب من لم يصل إليه الإسلام، ولا من وصل إليه الإسلام مشوشاً، وهؤلاء وأمثالهم حكمهم إلى الله، وليس في الأديان مثل الإسلام في هذا التشريع المعتدل، وهذا خلاف ما يدعيه النصارى عن الإسلام.
وأما كون حسن الأخلاق والمعاملة كافية في المعادلة بين المؤمن وغير المؤمن فهذا لا يقول به النصارى أنفسهم، فهل معنى ذلك أن المسلم إذا كان طيب الخلق وحسن المعاملة ويقدم المساعدة للآخرين هل يعني ذلك أنه ناج في الآخرة على المعتقد النصراني، أو هل يتساوى مع من يؤمن بالمسيح على معتقد النصارى!! هذا لا يقول به نصراني أبداً، ومن قال بخلاف ذلك فهو مغالطٌ نفسه، بل الكتاب المقدس ناطق بالتفريق، وأن الخلاص مشروط بالإيمان بالمسيح على معتقد النصارى من القول بالصلب والتثليث وغيرها من المعتقدات.
وأما وجود اسم النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في كتب النصارى فهذا لا يؤمن به النصارى، ولو آمنوا بذلك لانتهت المشكلة ولم يوجد إلا الإسلام ، وهم ينكرون ذلك، وسواء أنكروه أو أثبتوه فنبوته -عليه الصلاة والسلام- ثابتة بنفس الأدلة التي أثبتوا بها ألوهية المسيح، فإذا طعنوا في تلك الأدلة فقد طعنوا في أدلة ألوهية المسيح؛ وتفصيل ذلك يحتاج ورقة أخرى.
وفي مثل هذه الحال التي ذكر السائل لا بد للسائل أن يتفقه في هذا الموضوع، وأن يقرأ الشبه التي تثار ضد الإسلام، وهذه الشبهات ليست جديدة، بل من يطالع الكتب التي كتبت في القرن الثاني الهجري يجدها نفس الشبهات التي تثار اليوم، وهذا يعنى أنه بإمكان الإنسان غير المتخصص في العلوم الشرعية أن يطلع على جملة كبيرة من الشبهات والأسئلة المحتملة التي يمكن أن تثار ضد دينه، وكون الإنسان غير متخصص في العلوم الشرعية أو الديانات على وجه الخصوص لا يعفيه من تعلم العلم الذي به يحفظ دينه، والاطلاع على مثل ذلك ليس من الصعوبة بمكان.
ونقطة مهمة تقال في هذه المناسبة: إنه على الإنسان أن يحرص على الدعوة في هذه الأوساط بالذي يستطيعه، ومن خلال التجربة فإن أكثر ما يؤثر في مثل هذه المجتمعات حسن الخلق وطيب المعشر كما كان هديه -عليه الصلاة والسلام- حتى مع الذين خالفوا دينه ونصبوا له العداء، وفي هذه الحالة أفضل ما يقوم به الإنسان إبراز محاسن الإسلام، وتصحيح ما يلصق به من تهم، والبعد عن النقاشات التي تدخل في جوهر العقيدة إلا في حالات ضيقة، فبحث مثل هذه المواضيع مما يزيد في النفرة والتعصب، ويبعد عن روح العقل. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ