إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان مواضعة في دكان التخفيضات
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ السبت 10 ربيع الأول 1430 الموافق 07 مارس 2009
السؤال

لقد أنشأت مؤسسة للبيع عبر الإنترنت، وقد سميت المؤسسة "دكان التخفيضات" بدون أن أفكر في الأمر جيداً، واخترت هذا الاسم لأنه شايع وأسهل للحفظ، وهو اسم دولي، ولم أقصد أنني سأبيع بالتخفيضات، وفي السنوات الماضية كانت أسعاري تحت السعر المتوسط، ولكن منذ بداية سنة 2008 أفضل أن أبيع بسعر أغلى، والمشكلة أنني أبيع في الإنترنت، ولا أستطيع أن أغير اسم الموقع، ومن أجل أن يكون الموقع معروفاً في الإنترنت لابد من عدة سنوات، فإن غيرت الاسم الآن، فسوف أبدأ من جديد وقد يكون هذا إفلاسًا. فأريد أن أعرف هل أترك نفس الاسم، أو أبيع بعض الأشياء بسعر منخفض لكي أترك نفس الاسم؟

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
فإن الله عز وجل أوجب في المعاملات خاصة، وفي الدِّين عامة النصيحة والبيان، وحرم الخلابة والغش والكتمان، وهذا أصل عام في كل التعاملات، بل إن الصدق في البيع والتبيين شرط أساس للبركة في المال، والفلاح في الدنيا والآخرة، ففي الصحيحين عن جرير قال: (بايعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على النصح لكل مسلم)، فكان من نصحه أنه اشترى من رجل دابة، ثم زاده أضعاف ثمنه لما رأى أنه يساوي ذلك، وأن صاحبه مسترسل.. وعن تميم الداري رضي الله عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم-  قال: "الدين النصيحة، الدين النصيحة، الدين النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم" رواه مسلم وغيره، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- "مرَّ برجل يبيع طعاما، فأدخل يده فيه، فإذا هو مبلول فقال: (من غشنا فليس منا) رواه مسلم وغيره، وروى الإمام أحمد مثله من حديث أبي بردة بن نيار.
وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما من طريق قتادة عن صالح أبي الخليل عن عبد الله بن الحارث رفعه إلى حكيم بن حزام رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-  "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو قال حتى يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما"، قال النووي: أي بيّن كل واحد لصاحبه ما يحتاج إلى بيانه من عيب ونحوه في السلعة والثمن، وصدق في ذلك، وفي الإخبار بالثمن، وما يتعلق بالعوضين، ومعنى محقت بركة بيعهما، أي ذهبت بركته، وهي زيادته ونماؤه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالصدق يعم الصدق فيما يخبر به عن الماضي والحاضر والمستقبل، والبيان يعم بيان صفات المبيع ومنافعه، وكذلك الكذب والكتمان، وإذا كان الصدق والبيان واجبين في المعاملة موجبين للبركة، والكذب والكتمان محرمين ماحقين للبركة، فمعلوم أن كثيراً من الحيل أو أكثرها لا يتم إلا بوقوع الكذب أو الكتمان أو تجويزه، وأنها مع وجوب الصدق أو وقوعه لا تتم).
وإن القارئ لاسم المحل (دكان التخفيضات) يتبادر إلى ذهنه الحقيقة، وهو بيع السلعة بأقل من ثمن المثل عرفاً، أو بأقل سعرٍ في السوق، ويسمى في العرف الفقهي المواضعة: وهي المتاركة في البيع، وهي أن يخبر برأس ماله في السلعة، ثم يقول أبيعه لك بكذا، وأضع عنك كذا، وسمي بالمواضعة؛ لأنه يكون بدون رأس المال بخلاف المرابحة.
فالمشتري أقدم على شراء السلعة على هذا الأساس، ولو علم المشتري أن البائع ربح فيها أو باعه برأس المال (أي: أنها لم يبعها عليه مخفضة حقيقة) لم يقدم على الشراء، بل ربما لم يقصد المحل (الموقع) ابتداء، وهو إنما قصد المحل والموقع لأجل التخفيضات.
ولا شك أن في هذا خيانة وغشاً للناس، وكذباً عليهم، وخلاف النصيحة للمسلم، ولا يرضاه البائع لنفسه قطعاً، (ولا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه كما يحب لنفسه) كما قال النبي–صلى الله عليه وسلم-.
والقاعدة المقررة في ذلك ما ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: (أن ما كان من الأمور التي إذا اطلع المشترى عليها لم يشتر بذلك الثمن كان كتمانه خيانة).
وعليه فإن كتمان حقيقة الثمن عن المشتري خيانة يجب على المسلم التنزه عنها، وإني أنصح صاحب المحل أن يتقي الله عز وجل (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)، ولكي يبارك الله لك في مالك فاصدق في بيعك، وبيِّن للمشترين حقيقة الثمن أثناء البيع، (فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما). أو غيِّر الاسم التجاري للمحل:(ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه)، وإن كان يشق عليك البيان أثناء البيع، ويشق عليك تغيير الاسم التجاري للمحل فأقترح عليك أن تضيف على الاسم التجاري في الموقع عبارة تدل على أنه لا يلزم من كون اسم المحل (دكان التخفيضات) أن تكون السلعة مخفضة، أو عبارة تدل على أن التخفيضات ليست حقيقية، وإنما الاسم مجرد (اسم تجاري)، وتكون ظاهرة بخط واضح، أو بنر متحرك أو نحو ذلك؛ حتى يقدم المشتري على بينة. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ