إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل مَن كفر ثم ازداد كفراً لا تقبل توبته؟
المجيب
د.محمد بن سريّع السريّع
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التاريخ السبت 15 ربيع الثاني 1430 الموافق 11 إبريل 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. قال تعالى: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرًا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون)، فهل هذا معناه أنه حتى إذا تابوا لن تُقبل منهم التوبة؟. أفيدوني وفقكم الله..

 

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد:
فإن باب التوبة مفتوح لكل أحد كافراً كان أم عاصياً، كافراً أصلياً أم مرتداً، وهذا أصل قد دلَّت عليه نصوص كثيرة، وشواهد متعدِّدة.
ولما كان الأمر كذلك فإن العلماء –رحمهم الله- قد وجهوا المراد في الآية في قوله: "لن تقبل توبتهم" حتى في هذا الأصل، وقبل أن أذكر هذه التوجيهات أقدم بذكر من نزلت فيه الآية.
روي عن بعض السلف أنها نزلت في أقوام ارتدوا بعد إسلامهم، ولم يعودوا إلى الإسلام.
وهذا القول مروي عن ابن عباس ومقاتل، فهم قد كفروا، وازدادوا كفراً باستمرارهم وعدم إقلاعهم، وروي عن الحسن وقتادة وعطاء أنها في اليهود.
عن أبي العالية أنها في اليهود والنصارى.
ووجه هذين القولين: أن اليهود كفروا بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأما النصارى فهو كفرهم بعد أن ألهوا عيسى عليه السلام، وازدادوا كفراً بمحمد صلى الله عليه وسلم وأما قوله: "لن تقبل توبتهم" فللمفسرين فيه عدة أقوال:
الأول: "لن تقبل توبتهم" إذا أخروا التوبة إلى الموت، قال الشنقيطي -رحمه الله- ويستشهد له قوله تعالى: "وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ" [النساء:18].
وعلى هذا التوجيه اقتصر ابن كثير رحمه الله.
الثاني: "لن تقبل توبتهم" إذا ماتوا على الكفر، ويدل عليه قوله تعالى: "ولا الذين يموتون وهم كفار".
الثالث: أن المراد أنهم لا يوفقون للتوبة، فهم لا يتوبون فتقبل توبتهم، وقد قال الله تعالى: "ِإنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا" [النساء:137].
وإذا علم الله تعالى من قلوبهم عدم الاعتراض خذلهم، ونزع عنهم توفيقه؛ عدلاً منه وحكمة جل وعلا "ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون".
الرابع: أن علة عدم قبول التوبة كونهم عزموا على إظهارها.
مع الكفر بقلوبهم، فهو إما تحذير من شأنهم أو بيان بأن الله تعالى لا يقبلها منهم ولو أظهروها بألسنتهم لكفر قلوبهم.
وبهذا يتبين أن هذه الآية لا تتعارض مع الأصل المقرر، وهو قبول توبة الكافر والعاصي ولو تكرر كفره وعصيانه إذا استوفت الشروط.
والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ