إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان حديث (أنتم أدرى بشؤون دنياكم)
المجيب
عبد المجيد بن صالح المنصور
أمانة قسم الفقه المقارن - المعهد العالي للقضاء
التاريخ الخميس 27 ربيع الثاني 1430 الموافق 23 إبريل 2009
السؤال

أتمنى أن يتصدّى أحد الباحثين لتناول حديث (أنتم أدرى بشؤون دنياكم)، والذي يستشهد به كثير من الكتَّاب العلمانيين في تمرير أفكارهم لفصل الدين عن الحياة..

الجواب

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فلعل السائل يقصد ما أخرجه مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة عن أبيه، قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: "ما يصنع هؤلاء"؟ فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيتلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أظن يغني ذلك شيئا" قال: فأخبروا بذلك، فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: "إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه فإني إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل" ورواه مسلم أيضاً من حديث رافع بن خديج، وفيه زيادة: فقال إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي، فإنما أنا بشر"، وفيه أيضاً من حديث عائشة الزيادة المشهورة: (قال أنتم أعلم بأمر دنياكم)، وبغض النظر عما يثار في هذه الزيادة من كلام من حيث الثبوت، فإن الحديث ليس فيه دلالة مطلقاً لباطل العلمانيين الذين يقررون وجوب فصل الدين عن الحياة، بل كما يقول شيخ الإسلام: إنه ما من صاحب بدعة يحتج بنص ثابت على بدعته، إلا ويكون في النص ذاته ما يرد عليه، أو كلاماً نحو هذا، وقبل بيان أوجه بطلان الاستدلال بهذا الحديث لذلك الباطل، ينبغي أن نرُد فهم نصوص الشارع إلى أهل الاختصاص من السلف وأئمة الحديث والفقه الذين عرفوا الشريعة، وسبروا أغوارها، وعلموا مرادات الشارع ومقاصده، وليس مردّ ذلك إلى فهم أهل الأهواء يحرفون النصوص بعقولهم ويدلسونها على الناس، ويروجونها لهم دون مستند من كلام وفهم أئمة الشأن، وهذا هو حال أولئك الضالين في عامة أباطيلهم، وفي باطلهم هذا فلم يوافقهم على هذا أحد ممن يعتمد عليه من أهل الشأن، وجل شراح الحديث والأئمة الذين يسردون فوائد هذا الحديث -كالنووي ومن قبله وبعده- لم يذكروا أن من فوائده: "أن فيه دلالة على وجوب فصل الدين عن الحياة" كما يقرر أولئك الضُّلال، وهذا رد مجمل، وبسط الرد التفصيلي يكون من ثلاثة وجوه:
أولاً: معنى الحديث من خلال فهم أهل الشأن، قال النووي رحمه الله تعالى: قال العلماء قوله صلى الله عليه و سلم من "رأيي" أي: في أمر الدنيا ومعايشها لا على التشريع، فأما ما قاله باجتهاده صلى الله عليه وسلم ورآه شرعاً يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله، مع أن لفظة الرأي إنما أتى بها عكرمة على المعنى، لقوله في آخر الحديث قال عكرمة: أو نحو هذا، فلم يخبر بلفظ النبي صلى الله عليه وسلم محققاً، قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً، وإنما كان ظناً كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها، والله أعلم) أهـ.
وقال الطحاوي رحمه الله في بيان مشكل الآثار: (أنه قد يحتمل أن يكون الذي كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك أن الإناث في غير بني آدم لا تأخذ من الذكران شيئا، وهو الذي يغلب على القلوب، ولم يكن ذلك منه صلى الله عليه وسلم إخباراً عن وحي، وإنما كان منه على قول غير معقول ظاهر مما يتساوى فيه الناس في القول، ثم يختلفون فيتبين ذوو العلم به عمن سواهم من غير أهل العلم به، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ممن كان يعاني ذلك، ولا من بلد يعانيه أهله؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما بلده مكة، ولم تكن دار نخل يومئذ، وإنما كان النخل فيما سواها من المدينة التي صار إليها صلى الله عليه وسلم، وكان مع أهلها من معاناة النخل والعمل ما يصلحها ما ليس مثله مع أهل مكة، وكان القول في الأمر الذي قال فيه ما قال واسعاً له أن يقول فيه، وأن يكون ذلك القول منه على ما نفى ما يستحيل عنده، ويكون منه على الظن به...) الخ.
وقال القرطبي في المفهم: وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما أظن ذلك يغني شيئاً " يعني به الإبار، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا؛ لأنه لم يكن عنده علم باستمرار هذه العادة، فإنه لم يكن ممن عانى الزراعة، ولا الفلاحة، ولا باشر شيئاً من ذلك، فخفيت عليه تلك الحالة".
وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى: معلقاً على قوله: "َأنْتُمْ أَعْلَمُ بِأُمُورِ دُنْيَاكُمْ فَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَإِلَيَّ" وَهُوَ لَمْ يَنْهَهُمْ عَنْ التَّلْقِيحِ لَكِنْ هُمْ غَلِطُوا فِي ظَنِّهِمْ أَنَّهُ نَهَاهُمْ كَمَا غَلِطَ مَنْ غَلِطَ فِي ظَنِّهِ أَنَّ (الْخَيْطَ الْأَبْيَضَ) و(الْخَيْطَ الْأَسْوَدَ) هُوََ الْحَبْلُ الْأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ)أهـ.
وقال الملا علي القاري رحمه الله في مرقاة المفاتيح: إذا أمرتكم... بشيء من أمر دينكم أي: مما ينفعكم في أمر دينكم فخذوا به أي: افعلوه، فإني إنما نطقت به عن الوحي، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي أي: متعلق بالدنيا التي لا ارتباط لها بالدين وأخطأت فلا تستبعدوا، وقيل فمن شاء فعله، ومن شاء لم يفعله، فإنما أنا بشر أي: فإني بشر أخطئ وأصيب...) الخ، بتصرف يسير.
وقال المناوي رحمه الله في الفيض: (أنتم أعلم بأمر دنياكم) مني، وأنا أعلم بأمر أخراكم منكم، فإن الأنبياء والرسل إنما بعثوا لإنقاذ الخلائق من الشقاوة الأخروية، وفوزهم بالسعادة الأبدية...)الخ.
وقالت اللجنة الدائمة: (ومعناه: أن الناس أعلم بأمور دنياهم وتصريفها، كالزراعة وأنواع الصناعة والخياطة والتجارة، وأشباه ذلك، مع مراعاة حكم الشرع في كل شيء).
وبعد سرد كلام أهل الشأن في بيان مراد النبي صلى الله عليه وسلم يزول الكثير من الإشكالات التي يثيرها ذوو الأفهام السقيمة، والعقول المريضة، ويرد بها على استدلالاتهم الباطلة الخاطئة، ويمكن تلخليص ما سبق بأن نقول: إن العلوم تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: علوم تجريبية وعقلية تكتسب بالتجارب والخبرة، وتسخير العقل لها كالعلوم الهندسية والرياضية والطبية، وطرق الصناعة والفلاحة والخياطة والنجارة وغير ذلك، فهذه الأمور هي التي يقصد النبي صلى الله عليه وسلم فيها أن غيره أعلم منه فيها، وقال (أنتم أعلم بأمر دنياكم) فهو يقصد هذا، ولا نقص ولا عيب عليه في ذلك؛ لأنه لم يبعث لتعليم الناس الحساب والهندسة والرياضيات، وكيف يزرعون ويخيطون وينجرون...، فهذه وغيرها مصدرها الإنسان وتجاربه وأعراف الناس وعاداتهم، وإن كان قد يحثهم على العمل والكسب، ويجعل لهم ضوابط وقواعد شرعية في هذه الأمور؛ لكي لا يخالفوا الشرع في أعمالهم كتحريم الغش والكذب والتدليس والربا والاعتداء...
القسم الثاني: علوم شرعية ودينية كبيان التوحيد وأصول الشريعة وفروعها، وكيف يصلي الناس ويصومون ويزكون ويحجون... فهذه الأمور وغيرها مصدرها الشرع من كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا الذي أراده صلى الله عليه وسلم من قوله: (إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل).
وهذا التقسيم ذكره ابن القيم في مفتاح دار السعادة مسلكاً لبعض العلماء فقال: وقد سلك بعضهم مسلكا آخر فقال: ما يخبر به النبي صلى الله عليه وسلم نوعان: أحدهما: يخبر به عن الوحي، فهذا خبر مطابق لمخبره من جميع الوجوه ذهناً وخارجاً وهو الخبر المعصوم، والثاني: ما يخبر به عن ظنه من أمور الدنيا التي هم أعلم بها منه، فهذا ليس في رتبة النوع الأول، ولا تثبت له أحكامه، وقد أخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه الكريمة بذلك تفريقا بين النوعين، فإنه لما سمع أصواتهم في النخل يؤبرونها وهو التلقيح، قال: ما هذا فأخبروه بأنهم يلقحونها، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، فتركوه فجاء شيصاً، فقال: "إنما أخبرتكم عن ظني وأنتم أعلم بأمر دنياكم، ولكن ما أخبرتكم عن الله"، والحديث صحيح مشهور، وهو من أدلة نبوته وأعلامها، فإن من خفي عليه مثل هذا من أمر الدنيا وما أجرى الله به عادته فيها، ثم جاء من العلوم التي لا يمكن البشر أن يطلع عليها البتة إلا بوحي من الله، فأخبر عما كان وما يكون وما هو كائن من لدن خلق العالم إلى أن استقر أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وعن غيب السموات والأرض، وعن كل سبب دقيق أو جليل تنال به سعادة الدارين، وكل سبب دقيق أو جليل تنال به شقاوة الدارين، وعن مصالح الدنيا والآخرة وأسبابهما، مع كون معرفتهم بالدنيا وأمورها وأسباب حصولها ووجوه تمامها أكثر من معرفته، كما أنهم أعرف بالحساب والهندسة والصناعات والفلاحة وعمارة الأرض والكتابة، فلو كان ما جاء به مما ينال بالتعلم والتفكر والتطير والطرق التي يسلكها الناس لكانوا أولى به منه، وأسبق إليه؛ لأن أسباب ما ينال بالفكر والكتابة والحساب والنظر والصناعات بأيديهم، فهذا من أقوى براهين نبوته وآيات صدقه، وأن هذا الذي جاء به لا صنع للبشر فيه البتة، ولا هو مما ينال بسعي وكسب وفكر ونظر "إن هو إلا وحي يوحى علمه شديد القوى" الذي يعلم السر في السموات والأرض أنزله عالم الغيب فلا يظهر على غيبة أحداً إلا من ارتضى من رسول...)الخ.
ثانياً: ليس في الحديث دلالة على أن أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع ونحوها ليست من الدين، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولم يقصده، وإنما كان مقصده هو ما سبق تقريره كما يدل عليه سياق القصة، وفهم القصة وسبب الحديث يعين على فهم الحديث، وبه يرد على أهل الضلال، ولذلك دأب أهل الأهواء من العلمانيين وغيرهم على تجاوز القصة وسبب الحديث، واقتطاع لفظة (أنتم أعلم بأمور دنياكم) فقط؛ لأن في ذكر القصة رداً عليهم.
ثالثاً: لنعلم أن أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع وغيرها مما يريد الضُّلال فصلها عن الدين، هي حقيقة من الدين، وهي مما أراده صلى الله عليه وسلم في قوله: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به)، وقوله (إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله عز وجل)، والواقع الشرعي يصدق هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم تحدث عن السياسة وهو أمام فيها، وقائد محنك، وخاض الغزوات، وجاهد في سبيل الله، والله تعالى في كتابه تكلم عن الجهاد، ورغَّب فيه، وقعد له النبي صلى الله عليه وسلم القواعد، ووضع الضوابط، وبيّن الشارع الحكيم فرضية التحاكم لشرعه، وأنه من أصول العقيدة والدين، وتحدث عن حكم موالاة الكفار...، وكل هذه تسمى أمور سياسية وعسكرية في زماننا هذا، وكذلك الشارع تكلم في أصول التعاملات، وطرق الكسب المباح والحرام، فأحل البيع وحرم الربا...، وأوجب الزكاة في المال والنفقة، وقعّد في ذلك القواعد، وكل هذه تسمى أمور اقتصادية في زماننا، وهكذا بقية القضايا، ولم يكن يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم في حياته على لزوم المسجد ومجرد العبادة كالصلاة والصيام وغيرها كما يريد أولئك حصر الدين فيه.
قال العلامة ابن عثيمين -رحمة الله عليه- ضمن أسئلة لقاءات الباب المفتوح: وضع القوانين المخالفة للشرع مكان الشرع كفر؛ لأنه رفع للشرع، ووضع للطاغوت بدله، وهذا يدخل في قوله عز وجل: "وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ" [المائدة:44] ولا حجة لمن قال: إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم).. وهذه قوانين دنيوية نحن ما أتينا الصلاة والعبادات، والنكاح، والفرائض، لكن المعاملة بين الناس هي أمور دنيوية، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) فنحن لا نكفر بذلك؛ لأننا لم نرفع الشرع، بل تصرفنا وفق الحديث (أنتم أعلم بأمور دنياكم)؟!! نقول: لقد ضلوا فيما فهموا؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) في أمر الصناعة، وأمر الحرفة، لو جاء النجار وقال: كيف يصنع الباب؟ هل هو أعلم أم الرسول؟ هل النجار الماهر بالصنعة أعلم كيف يصنع هذا الباب أم النبي صلى الله عليه وسلم؟ الجواب: النجار؛ لأن الرسول تحدث عن هذا في أمر صناعي، وذلك أنه لما قدم المدينة وجد الناس يصعدون إلى فحل النخل، ويأخذون الطلع، ثم يصعدون إلى النخلة ويلقحونها، فكم تعب الإنسان؟ أربع مرات، صعود الفحل، والنزول منه، وصعود النخلة، والنزول منها، أربع مرات تقتضي جهداً ووقتاً، فقال لهم: (لو لم تفعلوا لصلح)؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريد من المرء أن يكون حازماً، وألا يضيع دقيقة واحدة من عمره إلا في فائدة، فظن أن المسألة ليس فيها فائدة؛ لأنه لم يعش في بلد زراعة ونخيل، أين عاش؟ في مكة، في بلد غير ذي زرع، ولا يعرف من هذا شيئاً، فتركوا النخل بدون تلقيح، ففسد النخل، وخرج البلح شيصاً، فجاءوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله! فسد النخل، فقال لهم: (أنتم أعلم بأمور دنياكم). أي: أنتم أعلم في الحرفة والصنعة، لا في الحلال والحرام، ولهذا نظم الرسول صلى الله عليه وسلم بيع النخل، فقد نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، وأطول آية في القرآن تتعلق بالبيع والدين في أمور الدنيا. فهؤلاء الذين ظنوا أن وضع القوانين المخالفة للشرع في الحكم بين الناس والرجوع إليها عند التنازع أخطأوا في فهم هذا الحديث، والواجب أن يبلغوا أنهم مخطئون؛ فإن أصروا على المخالفة وعلى رفع الحكم الشرعي ووضع القانون بدله فهذا -والعياذ بالله- كفر...) إلخ، وقد أبان رحمه الله في كلامه هذا ما أفسده أهل الأهواء في فهم الحديث، وأزال الشبه بما لا مزيد ولا تعقيب عليه.. نسأل الله تعالى أن يصلح ضال  المسلمين، ويرد كيد المنافقين والمفسدين، وأن يكفينا شرهم، ونسأله تعالى أن يجعل تدبيرهم في تدميرهم، وأن يهتك أستارهم، ويكشف أسرارهم، والله المستعان، والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ