إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل يطيع والده في تطليق زوجته؟
المجيب
أحمد بن صالح الوشمي
التاريخ السبت 06 جمادى الآخرة 1430 الموافق 30 مايو 2009
السؤال

هل يجوز لي أن أرفع قضية في المحكمة الشرعية على إخواني من أبي، وأبي كذلك؛ والسبب أنهم قذفوا زوجتي ظلمًا وزورًا وبهتاناً، وأنا لم أجد بينة أو دليلاً لإدانة زوجتي، وكان أبي يضغط بقوة على قراري بعدم تطليق زوجتي نصرة لإخوني الأصغر مني سنا وتصديقًا لهم في اتهاماتهم لي بالدياثة والخيانة والسرقة من بيوتهم، وأن زوجتي متورطة في تلك الأعمال كذلك معي، واستمر أبي -هداه الله- في قذف زوجتي بمزيد من التهم، واتهامي أنا كذلك بالدياثة.. فهل عندما أطالب بحقي منهم  أكون متمرداً وعاصياً، حيث أنهم أحرجوني كثيراً أمام أهل زوجتي الذين طلبوا مني تطليق زوجتي تحت الإكراه؛ عندما سمعوا وعلموا أن أهلي يطعنون في شرف وسمعة ابنتهم، ويصفونها بالخيانة الزوجية والمكر والخداع لي، وأنها مهملة ولا تقوم بالواجبات تجاهي، ولكن لم أنفذ رغبتهم في ذلك، مما دعاني إلى طلب نقل عملي في التعليم إلى مدينة أخرى؛ لأبعد عن الفتنة والصدامات في المحاكم الشرعية مع أهلي من جهة، وأهل زوجتي من جهة أخرى.. أفتوني مأجورين..

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

هذا السؤال فيه مسائل:

الأولى: هي أن الحق فيما ذكره السائل من القذف هو لزوجته، وليس له هو، فهي التي تدعي إن كانت هناك دعوى سترفع للقضاء، ولهذا فلا أرى أنه من المناسب للسائل أن يحرص على رفع مثل هذه الدعوى من زوجته؛ لأنها ستكون في مقابل والده، وليس من البر بوالده أن يعين زوجته على رفع مثل هذه الدعوى، ولكن لا يجبرها على ترك حقها لو أرادت رفع الدعوى، وإنما يسعى في الصلح لأنه هو الخير كما في قوله تعالى "والصلح خير".

الثانية: هي هل يطيع السائل والده في طلبه تطليق زوجته؟

سئل علماء اللجنة الدائمة للإفتاء عن مطالبة الوالدة من ابنها طلاق زوجته دون سبب، أو عيب في دينها، بل لحاجة شخصية.. فأجابوا بما نصه: "إذا كان الواقع كما ذكر السائل من أن أحوال زوجته مستقيمة، وأنه يحبها، وغالية عنده، وأنها لم تسيء إلى أمِّه، وإنما كرهتها لحاجة شخصية، وأمسك زوجته وأبقى على الحياة الزوجية معها، فلا يلزمه طلاقها طاعة لأمه، لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: "إنما الطاعة في المعروف".. وعليه أن يبر أمَّه، ويصلها بزيارتها والتلطف معها، والإنفاق عليها ومواساتها بما تحتاجه وينشرح به صدرها، ويرضيها بما يقوى عليه سوى طلاق زوجته". فتاوى اللجنة الدائمة 20/29.

وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن رجل متزوج وله أولاد، ووالدته تكره الزوجة، وتشير عليه بطلاقها، هل يجوز له طلاقها؟ فأجاب: "لا يحل له أن يطلقها لقول أمِّه، بل عليه أن يبر أمَّه، وليس تطليق امرأته من برها. والله أعلم" انتهى من "الفتاوى الكبرى" (3/331).

وقد زاد المسألة إيضاحاً العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله بقوله: "إذا طلب الأب من ولده أن يطلِّق زوجته فلا يخلو من حالين: الأول: أن يبين الوالد سببًا شرعيًّا يقتضي طلاقها وفراقها، مثل أن يقول: "طلِّق زوجتك" ؛ لأنها مريبة في أخلاقها، كأن تغازل الرجال، أو تخرج إلى مجتمعات غير نزيهة وما أشبه ذلك. ففي هذا الحال يجيب والده ويطلقها؛ لأنه لم يقل "طلِّقها" لهوى في نفسه، ولكن حماية لفراش ابنه من أن يكون فراشه متدنسا هذا الدنس فيطلقها.

الثانية: أن يقول الوالد للولد "طلِّق زوجتك " لأن الابن يحبها، فيغار الأب على محبة ولده لها، والأم أكثر غيرة، فكثير من الأمهات إذا رأت الولد يحب زوجته غارت جدا حتى تكون زوجة ابنها ضرة لها، نسأل الله العافية. ففي هذه الحالة لا يلزم الابن أن يطلق زوجته إذا أمره أبوه بطلاقها أو أمه. ولكن يداريهما ويبقي الزوجة ويتألفهما ويقنعهما بالكلام اللين حتى يقتنعا ببقائها عنده، ولا سيما إذا كانت الزوجة مستقيمة في دينها وخلقها.

وقد سئل الإمام أحمد رحمه الله عن هذه المسألة بعينها، فجاءه رجل فقال: إن أبي يأمرني أن أطلق زوجتي، قال له الإمام أحمد: لا تطلقها، قال: أليس النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر ابن عمر أن يطلق زوجته حين أمره عمر بذلك؟ قال: وهل أبوك مثل عمر؟

ولو احتج الأب على ابنه فقال: يا بني إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الله بن عمر أن يطلق زوجته لما أمره أبوه عمر بطلاقها، فيكون الرد مثل هذا، أي وهل أنت مثل عمر؟ ولكن ينبغي أن يتلطف في القول فيقول: عمر رأى شيئا تقتضي المصلحة أن يأمر ولده بطلاق زوجته من أجله، فهذا هو جواب هذه المسالة التي يقع السؤال عنها كثيرا " اهـ. الفتاوى الجامعة للمرأة المسلمة 2/671.

ولذلك نقول للسائل تفاهم بهدوء مع والدك حول هذه الأمور التي يذكرها في الزوجة، فإن كان لدى الوالد ما يريب بقرينته فيتم التعاون على تلافيه إن أمكن ذلك؛ لأن الأمور إذا أمكن إصلاحها فهو أفضل وأحسن، وإلا فالطلاق هو الحل، وعليك أن تقارن بين مفسدة القطيعة المتوقعة بينك وبين والدك، ومفسدة الانفصال عن زوجتك، وأنت أدرى بطبيعة والدك وأهلك وأثر ذلك عليكم.

وأما إن لم يكن لدى الأب ما يثبت ما يقال عن الزوجة فيناصح.

وعلى هذا الزوج وعلى أبيه وإخوانه وزوجته أن يتقوا الله عز وجل.

ومن الضروري أن يحرص السائل على الجمع بين حياته العائلية، وتحصيل رضى والده..

وعليه أن يحاول تقريب وجهات النظر بين زوجته وأهله ولا يخسر أي طرف،

وعلى الأهل أن يفرحوا إن أحب وتفاهم ابنهم مع زوجته؛ فهذا سيكون سعادة لابنهم، ويوفر بيئة حسنة لتربيته لأولاده.

وأخيراً أقول للسائل عليه إعادة النظر فيما قاله حول نقله لعمله من قرب والده إلى مكان آخر؛ لأن ما ذكره من سبب لا يجيز له مفارقة والده للسكنى في مكان بعيد عنه. فالوالدان هما أحق الناس بالبر والطاعة والإحسان والمعاملة الحسنة، وهذا لا يمكن حصوله على الوجه الأتم مع بعد المسافة في السكنى.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينعم عليك وعلى إخواننا المسلمين بحياة سعيدة. آمين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ