إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان متى يكون الإنسان مسيَّراً ومتى يكون مخيَّراً؟
المجيب
أ.د. عبد الله بن محمد الطيار
أستاذ الفقه بجامعة القصيم
التاريخ الخميس 04 جمادى الآخرة 1430 الموافق 28 مايو 2009
السؤال

أرجو أن تبينوا لي الفرق بين الأمور التي يكون فيها الإنسان مسيرًا، وبين الأمور التي يكون فيها مخيرًا.. وهل الإنسان لو قتل أو زنا يكون مخيرًا أم مسيرًا؟ أو أن الفتاة لو اغتُصبت، أو انتُهِك عرضها بغير رضاها.. هل تكون هنا مسيرة، أم أنها أمور مخيرة فيها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فاعلم أخي الكريم أن تلك المسألة من المسائل العظيمة التي خاض فيها كثير من الناس، فضلوا الطريق، وحادوا عن صراط الله المستقيم، وما كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلمون في مثل هذه المسألة لما خالط قلوبهم من الإيمان القوي الذي لم يترك مجالاً للشيطان، وينبغي على المسلم ألا يخوض في تلك المسائل لكي يحفظ دينه؛ لأن الشيطان يقف لابن آدم بالمرصاد يريد أن يصده عن سبيل الله، ويهديه إلى صراط الجحيم.

واعلم أخي الكريم أن أركان الإيمان التي يؤمن بها المسلم ستة، وهي: الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره. والإيمان بالقدر له أربع مراتب:

الأولى: العلم: فنؤمن بأن الله تعالى بكل شيء عليم، علم ما كان وما يكون وكيف يكون بعلمه الأزلي الأبدي، فلا يتجدد له علم بعد جهل، ولا يلحقه نسيان بعد علم.

الثانية: الكتابة، فنؤمن بأن الله تعالى كتب في اللوح المحفوظ ما هو كائن إلى يوم القيامة: "أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأرْضِ إِنَّ ذلِكَ فِى كِتَـبٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ" [الحج:70].

والثالثة: المشيئة: فنؤمن بأن الله تعالى قد شاء كل ما في السموات والأرض، لا يكون شيء إلا بمشيئته، ما شاء الله كان وما لم يشأْ لم يكن.

الرابعة: الخلق: فنؤمن بأن الله تعالى "خَـلِقُ كُـلِّ شَيءٍ وَهُوَ عَلَى كُل شَيءٍ وَكِيلٌ لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ" [الزمر:62-63].

وهذه المراتب الأربع شاملة لما يكون من الله تعالى نفسه، ولما يكون من عباده، فكل ما يقوم به العباد من أقوال أو أفعال أو تروك فهي معلومة لله تعالى مكتوبة عنده، والله تعالى قد شاءها وخلقها "لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ*وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَـلَمِينَ" [التكوير:28-29]، "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُواْ وَلَـكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ" [البقرة:253]، "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ" [الأنعام:137]، "وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ" [الصافات:96].

ولكننا مع ذلك نؤمن بأن الله تعالى جعل للعبد اختياراً وقدرة بهما يكون الفعل. والأدلة على أن فعل العبد باختياره وقدرته كثيرة منها:

الأول: قوله تعالى: "فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ" [البقرة:223] وقوله: "وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً" [التوبة:46] فأثبت للعبد إتياناً بمشيئته، وإعداداً بإرادته.

الثاني: توجيه الأمر والنهي إلى العبد، ولو لم يكن للعبد اختيارٌ وقدرة لكان توجيه ذلك إليه من التكليف بما لا يطاق، وهو أمر تأباه حكمة الله تعالى ورحمته، وخبره الصادق في قوله: "لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا" [البقرة:286].

الثالث: مدح المحسن على إحسانه وذم المسيء على إساءته، وإثابة كل منهما بما يستحق، ولولا أن الفعل يقع بإرادة العبد واختياره لكان مدح المحسن عبثاً، وعقوبة المسيء ظلماً، والله تعالى منزّه عن العبث والظلم.

الرابع: أن الله تعالى أرسل الرسل "مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ" [النساء:165]، ولولا أن فعل العبد يقع بإرادته واختياره، ما بطلت حجّته بإرسال الرسل.

الخامس: أن كل فاعل يحسُّ أنّه يفعل الشيء أو يتركه بدون أي شعور بإكراه، فهو يقوم ويقعد، ويدخل ويخرج، ويتزوج ويطلق، ويسافر ويقيم بمحض إرادته، ولا يشعر بأن أحداً يكرهه على ذلك، بل يفرّق تفريقاً واقعياً بين أن يفعل الشيء باختياره وبين أن يكرهه عليه مكرِه. وكذلك فرّق الشرع بينهما تفريقاً حكمياً، فلم يؤاخذ الفاعل بما فعله مكرهاً عليه فيما يتعلق بحق الله تعالى.

لذا فإنه لا حجة للعاصي على معصيته بقدر الله تعالى، لأن العاصي يقدم على المعصية باختياره، من غير أن يعلم أن الله تعالى قدّرها عليه، إذ لا يعلم أحد قدر الله تعالى إلا بعد وقوع مقدوره "وَمَا تَدْرِى نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً" [لقمان:34] فكيف يصح الاحتجاج بحجة لا يعلمها المحتجّ بها حين إقدامه على ما اعتذر بها عنه، وقد أبطل الله تعالى هذه الحجة بقوله: "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا ولا آباؤنا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُواْ بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ" [الأنعام:148].

ونقول للعاصي: لماذا لم تقدم على الطاعة مقدراً أنّ الله تعالى قد كتبها لك، فإنه لا فرق بينها وبين المعصية في الجهل بالمقدور قبل صدور الفعل منك؟ ولهذا لمّا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة: "مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ قَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ، أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ.. ثُمَّ قَرَأَ: فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى الْآيَةَ" رواه البخاري ومسلم.

فعلى المسلم أن يعلم أنه مسير ومخير، مسير لأن فعله تحت مشيئة الله، ومخير لأن له مشيئة يختار بها، ويفرق بها بين النافع والضار، والجميل والقبيح.

ووصيتي لك أخي الكريم الإقبال على كتاب الله والإكثار من تلاوته وتدبره؛ ففي ذلك الخير العظيم لك في الدنيا والآخرة، ولو صح قلبك بالإيمان لا نفتح له سائر أبواب الخير.

فاحرص بارك الله فيك على سماع القرآن، وحضور مجالس العلم، وكثرة ذكر الله تعالى وحينئذ لن يسلط عليك العدو اللدود إبليس الذي يعمل جاهداً لإبعادك عن صراط الله المستقيم، قال تعالى "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ" [فاطر:6]، واعلم أنه كلما قربت من الله وحرصت على طاعته وبعدت عن معصيته أعانك وثبتك وهداك، "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ" محمد، وكلما بعدت عنه ووقعت في معصيته كلما ضعف إيمانك، وتسلطت عليك الأفكار والوساوس التي تصرفك عن دينك وتشكك فيه. أسأل الله تعالى أن يثبتنا وإياك وجميع المسلمين على صراطه المستقيم، وأن يعيذنا من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يسلك بنا طريق الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ