إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان رسالة الذهبي ـ المزعومة ـ إلى ابن تيمية هل تصح؟!
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاحد 19 ذو القعدة 1424 الموافق 11 يناير 2004
السؤال

احتج أحد الضالِّين، الذين يتهمون شيخ الإسلام ابن تيمية بالضلال،برسالة أرسلها إليه الإمام الذهبي وينصحه فيها بالعودة عن ضلالته, فأرجو أن تبينوا لنا الحقيقة حول هذه الرسالة، وقد أوردت الرسالة المعنية هنا، وجزاكم الله كل خير
-والصلاة والسلام- على نبيّنا الكريم، قال الذهبي في رسالته لابن تيمية: رسالة الذهبي إلى ابن تيمية: الحمد لله على ذلتي، يا رب ارحمني، وأقلني عثرتي، واحفظ عليّ إيماني، واحزناه على قلة حزني، وأسفاه على السنة وذهاب أهلها، واشوقاه إلى إخوان مؤمنين يعاونوني على البكاء، واحزناه على فقد أناس كانوا مصابيح العلم وأهل التقوى وكنوز الخيرات، آه على وجود درهم حلال وأخ مؤنس، طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس، وتباً لمن شغلته عيوب الناس عن عيبه، إلى كم ترى القذاة في عين أخيك وتنسى الجذع في عينك؟ إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك وعباراتك وتذم العلماء وتتبع عورات الناس؟ مع علمك بنهي الرسول -صلى الله عليه وسلم- : لا تذكروا موتاكم إلا بخير، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا.بل أعرف أنك تقول لي لتنصر نفسك : إنما الوقيعة في هؤلاء الذين ما شموا رائحة الإسلام ، ولا عرفوا ما جاء به محمد – صلى الله عليه وسلم- وهو جهاد، بلى والله عرفوا خيراً كثيراً مما إذا عمل به العبد فقد فاز، وجهلوا شيئاً كثيراً مما لا يعنيهم ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، يا رجل! بالله عليك كفّ عنّا، فإنك محجاج عليم اللسان لا تقر ولا تنام، إياكم والغلوطات في الدين، كره نبيك -صلى الله عليه وسلم- المسائل وعابها، ونهى عن كثرة السؤال وقال: إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان، وكثرة الكلام بغير زلل تقسي القلب إذا كان في الحلال والحرام، فكيف إذا كان في عبارات اليونسية والفلاسفة وتلك الكفريات التي تعمي القلوب، والله قد صرنا ضحكة في الوجود، فإلى كم تنبش دقائق الكفريات الفلسفية؟ لنرد عليها بعقولنا، يا رجل! قد بلعتَ سموم الفلاسفة تصنيفاتهم مرات، وكثرة استعمال السموم يدمن عليها الجسم، وتكمن والله في البدن، واشوقاه إلى مجلس فيه تلاوة بتدبر وخشية بتذكر وصمت بتفكر، واهاً لمجلس يذكر فيه الأبرار فعند ذكر الصالحين تنزل الرحمة، بل عند ذكر الصالحين يذكرون بالازدراء واللعنة، كان سيف الحجاج ولسان ابن حزم شقيقين فواخيتهما، بالله خلونا من ذكر بدعة الخميس وأكل الحبوب، وجدوا في ذكر بدع كنا نعدها من أساس الضلال، قد صارت هي محض السنة وأساس التوحيد، ومن لم يعرفها فهو كافر أو حمار، ومن لم يكفر فهو أكفر من فرعون، وتعد النصارى مثلنا، والله في القلوب شكوك ، إن سلم لك إيمانك بالشهادتين فأنت سعيد، يا خيبة من اتبعك فإنه معرض للزندقة والإنحلال، لا سيما إذا كان قليل العلم والدين باطولياً شهوانيا، لكنه ينفعك ويجاهد عنك بيده ولسانه، وفي الباطن عدو لك بحاله وقلبه، فهل معظم أتباعك إلا قعيد مربوط خفيف العقل، أو عامي كذاب اليد والذهن، أو غريب واجم قوي المكر؟ أو ناشف صالح عديم الفهم؟ فإن لم تصدقني ففتشهم وزنهم بالعدل، يا مسلم أقدم حمار شهوتك لمدح نفسك،إلى كم تصادقها وتعادي الأخيار؟ إلى كم تصادقها وتزدري الأبرار؟ إلى كم تعظمها وتصغّر العباد ؟ إلى متى تخاللها وتمقت الزهاد؟ إلى متى تمدح كلامك بكيفية لا تمدح والله بها أحاديث الصحيحين ؟ يا ليت أحاديث الصحيحين تسلم منك، بل في كل وقت تغير عليها بالتضعيف والإهدار، أو بالتأويل والإنكار، أما آن لك أن ترعوي؟ أما حان أن تتوب وتنيب ؟ أما أنت في عشر السبعين وقد قرب الرحيل؟ بلى -والله- ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر الموت، فما أظنك تقبل عليّ قولي، ولا تصغي إلى وعظي، بل لك همة كبيرة في نقض هذه الورقة بمجلدات، وتقطع لي أذناب الكلام، ولا تزال تنتصر حتى أقول ليته سكت ، فإذا كان هذا حالك عندي وأنا الشفوق المحب الواد، فكيف حالك عند أعدائك؟ وأعداؤك -والله- فيهم صلحاء وعقلاء وفضلاء ، كما أن أولياءك فيهم فجرة وكذبة وجهلة وبطلة وعور وبقر،قد رضيت منك بأن تسبني علانية، وتنتفع بمقالتي سرا، فرحم الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي ، فإني كثير العيوب، غزير الذنوب، الويل لي إن أنا لا أتوب، وافضيحتي من علاّم الغيوب، ودوائي عفو الله ومسامحته وتوفيقه وهدايته ، والحمد لله رب العالمين، -وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين-.

الجواب

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه وبعد:
فهذه الرسالة لا تحتاج إلى كبير عناء في بيان كذب صاحبها واختلاقها على الإمام الذهبي، – رحمه الله تعالى- وهو بريء منها ومن أسلوبها براءة الذئب من دم يوسف – عليه السلام- وظاهر من أسلوبها أنها من اختلاق مبتدع جاهل معاصر، شرق بالحجج والبيانات التي أوردها شيخ الإسلام ابن تيمية في تفنيد بدعه، فلم يجد لها جواباً، فلجأ إلى اختلاق هذه الرسالة على أحد تلاميذ شيخ الإسلام الخاصين الذين علا صيتهم ونفع الله بعلومهم، وما الذهبي إلا حسنة من حسنات شيخه ابن تيمية – رحمة الله على الجميع-، وهذه إشارات إلى بعض الوجوه الدالة على كذب مدعي هذه الرسالة:
أولاً: أن الرسالة بلا زمام ولا خطام، فأين ذكرها الذهبي؟ وهذه كتبه المطبوعة تطفح بالمدح والثناء على شيخه، وأين كتبها الذهبي؟ ومتى كتبها؟ ومن ذكرها من العلماء الذين ترجموا للذهبي؟ ومن هو ناسخها؟ وما تاريخ نسخها؟ وأين مخطوطاتها؟ وهذه كلها من بدهيات إثبات الكتب والرسائل إلى أصحابها.
ثانياً: الأسلوب السوقي العامي السخيف الذي كتبت به الرسالة، والذي يدل على جهل صاحبه وامتلاء قلبه حقداً وحسداً لابن تيمية، وإلا فهل من أسلوب الذهبي ذاك الإمام الجهبذ الذي أعطاه الله ذلك البيان والأسلوب الراقي، فهل من أسلوبه مثل هذه العبارات التي ذكرها هذا المفتري؟ كقوله: (بالله خلونا من بدعة الخميس) وكقوله: (إلى كم تمدح نفسك وشقاشقك!!) وقوله: (يا رجل بالله عليك كف عنك هذا والله قد صرنا ضحكة في الوجود) و (إذا كان قليل العلم والدين باطولياً!!)، إلخ.. هذا الغثاء.
ثالثاً: ثبت عن الإمام الذهبي - رحمه الله- أنه رثى شيخ الإسلام – بعد وفاته- بمرثية قال فيها:
يا موت خذ من أردت أو فدع *** محوت رسم العلوم والورع
أخذت شيخ الإسلام وانفصمت *** عرى التقى واشتفى أولو البدع
إلخ... القصيدة في العقود الدرية ص 423، فأيهما أسبق هذه الرسالة المزعومة أو هذه المرثية!
رابعاً: أيضاً تحتوي الرسالة على أخطاء علمية وافتراءات على شيخ الإسلام يعرفها من قرأ له، فكيف بمن تتلمذ على يديه؟ ومنها على سبيل المثال قوله: (بلى والله ما أذكر أنك تذكر الموت، بل تزدري بمن يذكر بالموت..)، وغيرها كثير، - وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين-.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ