إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان دليل التمانع
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الثلاثاء 02 جمادى الآخرة 1430 الموافق 26 مايو 2009
السؤال

كثير من أهل النظر يزعمون أنَّ دليل التمانع هو معنى قوله تعالى: "لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا" [الأنبياء:22]. لاعتقادهم أنَّ توحيد الربوبية الذي قد قرروه هو توحيد الإلهية الذي بيَّنه القرآن، ودعا إليه الرسل.. فما وجه استدلالهم بهذه الآية. وما هو دليل التمانع؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، أما بعد:

فدليل التمانع المسؤول عنه هو أحد الأدلة التي استدل بها المتكلمون على إثبات وحدانية الله تعالى في ربوبيته.. وممن استدل به على ذلك الأشعري في اللمع، والبقلاني في التمهيد، والجويني في الإرشاد، وغيرهم.

وهو الاستدلال على أن خالق الكون ومدبره واحد، وهذا استقر في الفطرة معلوم بصريح العقل بطلان ما يخالفه، وهو دليل عقلي صحيح موافق للشرع والفطرة والواقع.

وصورة هذا الدليل: أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم، وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه، والآخر إماتته، فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما.

والأول: ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع بين الضدين.

والثالث: ممتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون، وهذا ممتنع. ويستلزم أيضًا عجز كل واحد منهما.. والعاجز لا يكون إلاهاً.

فبقي الاحتمال الثاني: وهو أن يحصل مراد أحدهما دون الآخر. فيكون من حصل مراده هو الإله القادر، والآخر عاجز لا يصلح للإلهية.

وقريب من دلالة هذا الدليل العقلي قوله تعالى: "مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ" [المؤمنون:91].

فالآية الكريمة موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية؛ دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الإلهية.

والمتكلمون فهموا من أية الأنبياء أنها منسجمة مع دليلهم العقلي دالة عليه لأنهم لا يعرفون من التوحيد إلا ما دل على الربوبية، ولذا فسروا الفساد المذكور في الآية بالفساد الحسي، وهو اختلال نظام الكون وانفراط عقده.

أما جمهور أهل السنة والجماعة الذين يفرقون بين توحيدي الربوبية والألوهية مع ما بينهما من تضمن والتزام فقد فسروا آية الأنبياء بتوحيد الألوهية المستلزم للربوبية. قال ابن جرير الطبري شيخ المفسرين: (يقول تعالى ذكره: لو كان في السموات والأرض آلهة تصلح لهم العبادة سوى الله الذي هو خالق الأشياء وله العبادة والألوهية التي لا تصلح إلا له (لفسدتا) يقول: لفسد أهل السموات والأرض) (17/17).

ويقول ابن الجوزي في زاد المسير (5/238): "لو كان فيهما": يعني السماء والأرض (آلهة) يعني: معبودين (إلا الله) قال الغراء: سوى الله. وقال الزجاج: غير الله (لفسدتا) أي لخربتا وبطلتا وهلك من فيهما...".

وهذا ما انتصر له شيخ الإسلام ابن تيمية في العديد من كتبه؛ في منهاج السنة، واقتضاء الصراط المستقيم، وشرح الأصفهانية، ودرء التعارض وغيرها.

وكذلك ابن القيم كما في مختصر الصواعق المرسلة، وابن أبي العز في شرح الطحاوية وغيرهما. واستدلوا على أن دلالة الآية غير دلالة دليل التمانع بأدلة كثيرة منها: أن المتكلمين لا يعرفون من التوحيد إلا الربوبية، حتى شهادة لا إله إلا الله فإنهم يفسرونها بالربوبية فلا غرو أن يظنوا أن هذه الآية مطابقة لدليل التمانع عندهم.

كما استدلوا بأن الله تعالى قال (لفسدتا) وهذا فساد بعد وجود، ولم يقل (لم يوجدا)، ويدل على ترجيح هذا القول دلالة السباق واللحاق أيضاً، إذ القاعدة تقول: أنه كلما أمكن إلحاق الكلام بما يليه أو ما قبله أو بنظيره فهو أولى) والآية قبلها في توحيد الألوهية: "أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ" [الأنبياء:21] وكذلك التي بعدها "أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ" [الأنبياء:24-25].

وعلى كل فالآية دالة على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة. بل لا يكون الإله إلا واحداً، وعلى أنه لا يجوز أن يكون الإله الواحد إلا الله سبحانه وتعالى. وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الألهة فيهما متعددة من كون الإله الواحد غير الله –وهذا ما لا يثبته دليل التمانع- وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره. فلو كان للعالم إلاهان معبودان لفسد نظامه كله.

كما دلت الآية على أن الفساد قرين الشرك، كما أن الصلاح قرين التوحيد. والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ