إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من أحد تعني تكفيره؟
المجيب
يوسف بن علي الطريف
التاريخ الاثنين 13 رجب 1430 الموافق 06 يوليو 2009
السؤال

هل براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من شخص أو عمل تعني أن ذاك الشخص أو ذاك العمل خارج عن دائرة الإسلام؟ كحديث "أنا بريء ممن يقيم بين طهراني المشركين.. وكقوله (اللهم إني أبرأ إليك مما عمل خالد) أو كما قال.. وهل يجوز للمسلم أن يقول لأخيه: (أبرأ إلى الله منك) بسبب عمل عمله، أم يتبرأ من العمل فقط؟ أفيدونا وجزاكم الله خيرًا.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

براءة النبي صلى الله عليه وسلم من شخص، أو عمل ذلك الشخص؛ لا تقتضي بالضرورة خروجه من الإسلام، بل لا بد من معرفة السبب، فإن كانت براءة النبي صلى الله عليه وسلم منه لفعله أمراً مكفراً فإنه يخرج بذلك من الإسلام؛ كقول النبي صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: "من لم يؤمن بالقدر خيره وشره فأنا منه بريء" لأن الكفر بالقدر كفر بالله تعالى.

وأما إن كان الفعل لا يكفر به صاحبه؛ لدلالة نصوص أخرى على عدم كفره بهذا الفعل؛ فإنه لا يخرج به من الإسلام، وقد وردت أحاديث كثيرة في هذا الباب تمسَّك بها الغلاة من هذه الأمة قديماً وحديثاً، ولم يفهموها على وجهها الصحيح؛ وهؤلاء هم الذين يصفهم أهل السنة والجماعة بالوعيدية، لأنهم أخذوا بنصوص الوعيد، ولم يعملوا نصوص الوعد، وغلبوا الخوف على الرجاء، كالخوارج والمعتزلة ومن وافقهم.

وهذه الأحاديث كثيرة؛ منها: الحديث الذي أشرتَ إليه؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين" رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وإسناده مرسل.

وهو محمول على من لم يأمن على دينه؛ يؤيد ذلك سبب الحديث، حيث قتل المشركون بعض المسلمين المقيمين بين أظهرهم؛ وقد كان المسلمون مع المشركين في حالة حرب... والمقصود براءة النبي صلى الله عليه وسلم من فعلهم، ولا يعني أنهم كفار بهذا الفعل.

ومثله حديث: "من غش فليس منا" وحديث: "ليس منا من لطم الخدود، وشقَّ الجيوب..." وحديث: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" وقد برئ النبي صلى الله عليه وسلم من الصالقة والحالقة والشاقة...

فهذا الأسلوب النبوي يقصد به الردع الشديد عن هذه الأفعال المحرمة، وأنها قد تؤدي بصاحبها إلى الحرمان من التوبة، أو الحرمان من شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم له يوم القيامة، والوقوع في أسباب الهلاك.

قال الحافظ ابن حجر وغيره من أهل العلم: قوله: "ليس منا" أي: من أهل سنتنا وطريقتنا، وليس المراد به إخراجه عن الدين؛ ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ المبالغه في الردع عن الوقوع في مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده -عند معاتبته-: لستُ منك ولستَ مني! أي: ما أنت على طريقتي.

وأما حديث خالد بن الوليد؛ فقد روى قصته ابن عمر؛ كما في الصحيحين، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا! فجعل خالدٌ يقتل ويأسر، ودفع إلى كل رجلٍ منا أسيره، فقلت والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجلٌ من أصحابي أسيره حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فذكرناه له. فرفع يديه؛ فقال: "اللهم إني أبرأ مما فعل خالدٌ".

ومعناه -كما يقول العلماء-: أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على خالد العجلة وترك التثبت في أمرهم قبل أن يعلم المراد من قولهم صبأنا. والحكمة في تبرئة النبي صلى الله عليه وسلم من فعل خالد -مع كونه لم يعاقبه على ذلك؛ لكونه مجتهدا- أن يُعرف أنه لم يأذن لخالدٍ في ذلك، خشية أن يعتقد أحد أنه كان بإذن رسول الله، ولينزجر غير خالد بعد ذلك عن مثل فعله.

وأما قول السائل: هل هناك فرق بين البراءة المذكورة في حديث: "أنا بريء ممن يقيم بين أظهر المشركين" وبين البراءة من العمل المذكور في قصة خالد بن الوليد؟ فنعم! فالبراءة من عمل معينٍ يبرئ فاعله من اللوم؛ وهذا هو المراد في قصة خالد؛ لكونه مجتهداً. وأما البراءة المطلقة ممن فعل أمراً ما فهذه أعظم وأشد؛ لما تقدم في بيان المراد منها، فليس المراد منها البراءة من الفعل فحسب، بل يترتب عليها الوعيد الشديد للفاعل نفسه.

وأما قول السائل: هل يجوز للمسلم أن يقول لأخيه: أبرأ إلى الله منك، بسبب عمل عمله؟ أم يتبرأ من العمل فقط؟.

فالجواب: أن على المسلم أن يتجنب قول ذلك أصلاً؛ فلا يقول: اللهم إني أبرأ إليك من فلانٍ. بل يقول: اللهم إني أبرأ إليك من فعل فلان؛ إذا كان فعله محرماً، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حق خالدٍ. لأنه لا يجوز للمسلم أن يتبرأ من أخيه المسلم، لكن يتبرأ من غير المسلم؛ كما قال إبراهيم عليه السلام والذين معه من المؤمنين لقومهم الكفار: "إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله". إلا إذا أراد الشخص بقوله: أبرأ إلى الله من فلان. وهو يقصد براءته من فعله المحرم، فيجوز ذلك، والأولى ترك هذا القول. والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ