إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان "مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ..."
المجيب
فضل محمد البرح
باحث شرعي في موقع الإسلام اليوم
التاريخ الثلاثاء 09 جمادى الآخرة 1430 الموافق 02 يونيو 2009
السؤال

لقد اختلفت أنا وزملائي في العمل حول فهم هذه الآية : "مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءكُمْ أَبْنَاءكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُم بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ". لماذا ذكر الله عز  وجل كلمة "رجل" بدلاً من "إنسان "؟ أي لماذا قصد بها الرجال فقط وليس النساء، وخصوصا في الجزء "مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ" ما التفسير المنطقي والديني والعلمي لذلك. هل يقصد هنا النواحي العاطفية والحب فقط، أم أن هناك أسبابًا أخرى لاختيار المولى عز وجل لذلك اللفظ؟.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 إن ينتابك هذا الشعور وهذا التساؤل فلا غرو في ذلك ، فقد انتاب أم سلمة رضي الله عنها بل وسألت النبي عليه الصلاة والسلام ،  فقالت : مالنا لا نذكر في القرآن كما يذكر الرجال ، فنزل قوله تعالى: "إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ...إلخ" [الأحزاب:35].

ثم اعلم أخي الكريم -رزقنا الله وإياك فهم كتابه الكريم- أن بعض معاني القرآن الكريم لا تفهم إلا بالنظر والتأمل في أسباب النزول –نزول تلك الآيات أو السور من القرآن-.

وأسباب النزول لمعرفته فوائد جمة ، وإدراك لمعاني كلام الله عز وجل.. قال الإمام السيوطي رحمه الله لمعرفة أسباب النزول فوائد. وأخطأ من قال لا فائدة له بجريانه مجرى التاريخ، ومن فوائده؛ الوقوف على المعنى أو إزالة الإشكال.

قال الإمام الواحدي: لا يمكن معرفة تفسير الآية دون الوقوف على قصتها وبيان سبب نزولها.

وقال ابن دقيق العيد: بيان سبب النزول طريق قويٌ في فهم معاني القرآن.

بينما يقول ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية؛ فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب.

وإذا نظرنا إلى أسباب النزول فهي إما بيان لواقعة حدثت، فينزل القرآن الكريم بشأنها، كقصة حادثة الإفك كما جاء في سورة النور، أو قصة الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك. وسورة التوبة في فضح المنافقين لها حظ وافر من هذا، وما ورد في هذه الآية قد يكون من هذا القبيل ، أو يكون سبب النزول، هو السؤال عن شيء، فينزل القرآن لبيان الحكم في ذلك، وهو كثير ومنه قوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ... إلخ الآية" [البقرة:217]. وقوله تعالى: "يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطيبات" [المائدة:4]. وقوله: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" [الإسراء:85].

- والبعض الآخر من القرآن ما ليس له سبب نزول ويكون نزوله ابتدائي-وهو الأغلب-.

وعليه فإن فهم قوله تعالى: "مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ... إلخ". وتخصيص لفظة رجل في هذه الآية راجع إلى سبب النزول في ذلك.

وقد وردت عدة أقوال في سبب نزول هذه الآية فقال بعضهم: في ذلك تكذيب لقوم من أهل النفاق وصفوا النبي صلى الله عليه وسلم بأنه ذو قلبين عندما قام يوما  فصلى فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: إن له قلبين فنزلت الآية. ورد ذلك عن ابن عباس.

وقال آخرون: بل عني بذلك رجل من قريش كان يدعى ذا القلبين من دهيه.. جاء ذلك عن ابن عباس أيضاً.

وجاء عن مجاهد أن الرجل هو من بني فهر، قال: إن في جوفي قلبين أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد وكذب.

وقال قتادة عن الحسين قال: كان رجل يقول لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه ما تسمعون.. جاء ذلك عن عكرمة.

وقال آخرون: بل عني بذلك زيد بن حارثة من أجل أن الرسول صلى الله عليه وسلم تبناه فضرب الله بذلك مثلا.

والأولى بالصواب من هذه الأقوال: قول من قال ذلك تكذيب من الله تعالى قول من قال لرجل في جوفه قلبان يعقل بهما على النحو الذي روِي عن مجاهد، وجائز أن يكون ذلك تكذيب من الله لمن وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، أو يكون تكذيباً لمن سمى القرشي بذلك ذا القلبين من دهيه.

وأيّ الأمرين كان فهو نفي من الله عن خلقه من الرجال أن يكونوا بتلك الصفة، وهذا ما ذهب إليه شيخ المفسرين ابن جرير الطبري.

 وبهذا يكون قد فهم المراد من الآية من هذا التخصيص، واتضح الإشكال.

وإذا نفى الله ذلك عن الرجل فمن باب أولى النساء، فلن تكون واحدة منهن ذات قلبين.

وليس هذا  تهميشا للمرأة ، فالمرأة لها مكانتها في الإسلام لايخفى على كل  من له شأن   ودراية بتعاليم الإسلام، وما ترفع من الدعاوي اليوم ، والشعرات الخاوية من قبل أعداء الإسلام والمغرضين بالمطالبة بحقوق المرأة ، هم في الحقيقة  أعداء المرأة ... فقد بأن عوارها وانكشف زيفها ،فلن تجد لها في قلوب المسلمين الصادقين مكمنا. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ