إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان وسائل شكر النعم
المجيب
فضل محمد البرح
باحث شرعي في موقع الإسلام اليوم
التاريخ الخميس 18 جمادى الآخرة 1430 الموافق 11 يونيو 2009
السؤال

لقد أنعم الله عليَّ بنِعم لا تعد ولا تحصى، وأريد أن أشكر الله على هذه النعم.. فما العمل لشكر هذه النعم ؟..

الجواب

الحمد لله تعظيما لشأنه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وبعد:

أخي الكريم: كم هو عظيم عندما تستشعر نعم الله عليك وتود شكرها، وهذا سبيل شكر نعم الله جل وعلا أن يعترف العبد بآلائه سبحانه.

فالشكر لله تعالى من أعلى مقامات الإيمان، بل هو حقيقة الإيمان بالله جل جلاله.

فهو:  الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع.

وقيل هو: الثناء على المحسن بذكر إحسانه.

وقيل: هو عكوف القلب على محبة المنعم، والجوارح على طاعته، وجريان اللسان بذكره، والثناء عليه.

وقيل: هو مشاهدة المنة، وحفظ الحرمة.

فالشاكرون لله هم خواصه، ودليل ذلك قلَّتهم.. قال تعالى "وقليل من عبادي الشكور" [سبأ:13]وقد وصف بعض خلقه بالشكر، فقال عن نوح عليه الصلاة والسلام: "إنه كان عبدا شكورا".[الإسراء:3]

وقال عن خليله إبراهيم عليه الصلاة والسلام: "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه" [النحل:120-121].

وحث عباده على الشكر  فقال: "واشكروا لي ولا تكفرون" [البقرة:152] وقال: "واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون" [النحل:114].

ووعد بالمزيد لمن شكر، والعذاب لمن كفر فقال: "وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" [إبراهيم:7].

وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة وعائشة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قام حتى تورمت قدماه فقيل له: تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: "أفلا أكون عبدا شكورا".

وقال عليه الصلاة والسلام لمعاذ: "والله يا معاذ إني لأحبك أوصيك يامعاذ لاتدعنَّ في دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود في سننه.

وفي المسند وسنني الترمذي وابن ماجة من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهؤلاء الكلمات:" اللهم أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر بي، وأهدني ويسر الهدى لي، وانصرني على من بغى علي، رب اجعلني لك شكارًا، لك ذكّارا، لك رهابا، لك مطاوعا، لك مخبتا، إليك أواها منيبا.. رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة صدري".

قال الربيع بن أنس: علامة حب الله، كثرة ذكره، فإنك لا تحب شيئا إلا أكثرت من ذكره.. وعلامة الدِّين، الإخلاص لله في السر والعلانية، وعلامة  الشكر الرضا بقدر الله، والتسليم لقضائه..

 وقد ذكر ابن القيم أن من منازل إياك نعبد وإياك نستعين: منزلة الشكر، بل إنها من أعلى المنازل، وهي فوق منزلة الرضا، وأن الإيمان نصفان،  نصف شكر، ونصف صبر.

وقد تفضل الرب سبحانه على العباد بنعم عدها وإحصاؤها مخالف لما أقره، كيف وقد قال تبارك وتعالى "وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا" وليست مهمة العبد عدها وحصرها بقدر ما يكون مطلوبا منه الاعتراف بها وشكرها.

فالشكر لله جل وعز على آلائه ونعمه المسداة إلى خلقه هو التصرف اللائق بالخلق، ويكون بالخضوع للشاكر والانقياد لأوامره وحفظ حدوده، وأن تستعمل هذه النعم في مرضاته ومحابه سبحانه، وأن استعمالها فيما يسخطه ويغضبه لهو كفر بنعمه تبارك وتعالى.

والشكر ليس مجرد قول فحسب، بل يكون بالقلب واللسان والجوارح.

أفادتكم النعماء مني ثلاثة       ***    يدي ولساني والضمير المحجبا

وما أروع بيان الإمام الغزالي -رحمه الله– في كيفية استعمال الجنان والجوارح للسالكين نحو مُنعمهم، وكذلك تجاه خلقه أيضا.. فقال: "اعلم أن الشكر من جملة مقامات السالكين،... ويتعلق ذلك بالعمل بالقلب واللسان والجوارح، أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق. وأما باللسان فإظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة عليه، وأما بالجوارح: فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته،... والشكر باللسان: لإظهار الرضا عن الله تعالى وهو مأمور به؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم لرجل: "كيف أصبحت؟" قال بخير، فأعاد صلى الله عليه وسلم السؤال حتى قال في الثالثة: بخير أحمد الله وأشكره، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا الذي أردت منك".

وإذا نحن تأملنا وأمعنا النظر في عواقب الشكر وأثره وعود النفع منه، علمنا أن منفعة الشكر راجعة إلى العبد نفسه.. قال سبحانه: "ومن شكر فإنما يشكر لنفسه".

وإذا سلك العبد طريق السالكين في الشكر، فليس معنى ذلك أنه أدى شكر ما أنعم الله به عليه؛ فنعم الله لاتعد ولا تحصى، ولا يستطيع العبد مكافأة خالقه جل وعلا عليها؛ لعظمها وكثرتها.. قال سبحانه: "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها". وحسبنا من ذلك قوله تبارك وتعالى "وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ" [الذاريات]، وقال: " أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً..." [لقمان:20].

وأجل نعمة منَّ بها علينا، جعله سبحانه لنا مسلمين، وهدايته لنا للإيمان الصحيح، بل وتحبيبه وتزينه في القلوب، وتكريهه للكفر والفسوق والعصيان، وكفى بها نعمة. وليس ذلك إيجابا عليه بل فضلا منه، قال جل جلاله: "وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ" [الحجرات:7-8]

ويحسن بنا أن نعرض شيئا من كلام ابن القيم-رحمه الله– الذي تكلم بفنه فأرعت له القلوب، ولاغرو في ذلك فهو يجيد مخاطبتها ويحسن توجيهها، حيث يقول: "فالرب تعالى لا يستطيع أحد أن يكافئ نعمه أبدا، ولا أقلها ولا أدنى نعمة من نعمه، فإنه تعالى هو المنعم المتفضل الخالق للشكر والشاكر، وما يشكر عليه فلا يستطيع أحد أن يحصي ثناءً عليه، فإنه هو المحسن إلى عبده بنعمه وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها فشكره نعمة من الله أنعم بها عليه تحتاج إلى شكر آخر وهلم جرا".

وقوف العبد مع نفسه هو الأجدر به، فإن الله يفتح على العبد من النعم ما يركن إليه ويغتبط به فإذا لم يشكر الله أُخذ على حين غرة أغفل مايكون فتزداد عقوبته.

فحري بنا أن نكثر من العبادة والدعاء ونلهج بذكره، ونكون مفاتيح للخير دالين عليه، مغاليق للشر محذرين منه، وبهذا يكون العبد قد اتقى عذاب الله وسخطه، وإذا اجتمع في العبد شيئان استغنى الله عن عذابه قال سبحانه: "مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا" [النساء:147].

سائلين الله أن يتقبل منا أعمالنا، وأن يجعلنا له ذاكرين له شاكرين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ