إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الصوفية ووحدة الوجود
المجيب
د. عبد الله بن عمر الدميجي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الخميس 12 جمادى الأولى 1430 الموافق 07 مايو 2009
السؤال

هل مذهب هارون يحيى "وحدة الوجود" صحيح، فهو يقول: إن الله في كل مكان، و لا يمكن أن يكون أي شيء غير الله (غير وجود الله)؟ و يقول: إن الذين يؤمنون أن الله في السماء هم من مجتمعات الجاهلية الذين يزعمون أنهم مسلمون. فما هو المذهب الصحيح؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أما بعد:

فهذا المذهب الذي ذهب إليه هارون يحيى من القول بوحدة الوجود مذهب قديم جداً، وهو مذهب فلسفي لا ديني يقول بأن الله والطبيعة حقيقة واحدة، وأن الله هو الوجود الحق. وقد كانت فكرة وحدة الوجود موجودة عند اليونانيين القدماء، وهي كذلك في الهندوسية الهندية، وانتقلت إلى اليهودية والنصرانية، ثم قال بها بعض غلاة المتصوفة المنتسبين للإسلام، كابن عربي، وابن القارضي، وابن سبعين، والتلمساني، ثم انتشرت في الغرب الأوروبي على يد برونو النصراني وسبينوزا اليهودي، ومن المتأثرين بها "روجيه جارودي" الفرنسي وغيرهم.

 وهو مذهب مخالف للدين الإسلامي جملة وتفصيلاً، بل هو لون من ألوان الإلحاد والإنكار الحقيقي لوجود الله تعالى، ولذلك كفَّر العلماء من قال بهذا القول من المنتسبين للإسلام قديماً وحديثاً كما في كتاب: تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي للعلامة برهان الدين البقاعي (809-885هـ) وغيره من العلماء قديماً وحديثاً.

ويترتب على القول بوحدة الوجود إضافة إلى الإنكار الحقيقي لوجود الله تعالى، وتسمية المخلوقات بأنها عين الله هو إنكار لحقيقة وجود الله تعالى؛ يترتب إضافة إلى ذلك ما يلي:

1- الانسلاخ من الأوامر الشرعية، ومن الأمثلة الواقعية لذلك أن أبا يزيد البسامي لقي القطب في طريقه إلى الحج، فأمره أن يعود قائلاً له: "إن الله هو ما تراه بعين قلبك لقد اختارني بيتاً له، فإذا رأيتني فقد رأيته وطفت حول الكعبة، وإذا عبدتني عبدته وسبحت له، فلا تظنن أني شيء غيره.

2- التجرؤ على مقارنة النواهي الشرعية. ولذا لما قيل للتلمساني: "القرآن يخالف خصوصكم قال: القرآن كله شرك، وإنما التوحيد في كلامنا. فقيل له: فإذا كان الوجود واحداً فلم كانت الزوجة حلالاً، والأخت حراماً؟ فقال: الكل عندنا حلال. ولكن هؤلاء المحجوبون قالوا: حرام فقلت: حرام عليكم".

3- التسوية بين الإيمان والكفر والدعوة إل وحدة الأديان.

ولذلك أكد ابن عربي على أن من يعبد الله، ومن يعبد الأحجار والأصنام كلهم سواء؛ لأنهم في الحقيقة ما عبدوا إلا الله، إذ ليس ثمة فرق بين خالق ومخلوق". ولذلك قال:

لقد صار قلبي قابلاً كل صورة      *** فمرعى لغزلان ودير لرهبان

وبيت لأوثان وكعبة طائف   ***  وألواح توراة ومصحف قرآن

وبناءً عليه ففرعون موحد، ولما قال: "ما علمت لكم من إله غيري". فهو صادق في دعواه.

وعليه فمن عرف حقيقة هذا المذهب وقال به فلا شك في كفره، بل في كفر من لم يكفره. نسأل الله العافية والسلامة.

ولا غرابة في أن من قال بهذا القول سيطعن في عقيدة علو الله تعالى على خلقه التي دل عليها القرآن الكريم صراحة في الكثير من الآيات ومنها: "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور" والسماء هنا بمعنى العلو أو (في) بمعنى (على) إذا أردنا بالسماء السماء المبنية. وكذلك الآيات الدالة على صفة العلو والفوقية، وآيات التنزيل والعروج إليه واستواؤه على عرشه وغيرها من الآيات الكثيرة.

 وقد بين ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الموقف العظيم بحضور الجمع الأعظم من المسلمين في يوم عرفة، وكذلك في سؤاله صلى الله عليه وسلم للجارية اين الله؟ قالت: في السماء فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أعتقها فإنها مؤمنة.

كذلك دل على علو الله تعالى على خلقه ومباينته لهم إجماع علماء المسلمين في القرون الثلاثة على ذلك، وهو ما تؤيده الفطرة والعقل السليم. ولذلك لما قال أبو جعفر الهذاني للجويني: أخبرنا يا أستاذ عن الضرورة التي نجدها في قلوبنا؛ فإنه ما قال عارف قط (يا الله) إلا وجد في قلبه ضرورة طلب العلو لا يلتفت يمنه ولا يسرة. فكيف ندفع هذه الضرورة عن أنفسنا. فلطم أبو المعالي رأسه ونزل وقال: حيرني الهمداني.. حيرني الهمداني.

أما نفي العلو عن الله، وأنه ليس في السماء إله فهذه عقيدة الحلولية التي أشرنا إليها آنفاً، ومن أئمتهم في هذا الشأن فرعون الذي شك في خبر موسى عليه السلام حينما قال: "يا هامان ابني لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً".

لذا فلينظر العاقل ما هو المذهب الصحيح؟ هل هو ما دل عليه الكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة، أو هو ما ذهب إليه فرعون، وأصحاب الديانات الهندوسية، وغلاة الصوفية.

نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين.. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ