إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان البقاء مع زوج لا يصلي مطلقا
المجيب
خالد بن سعود الرشود
قاضي في ديوان المظالم
التاريخ الاربعاء 14 شعبان 1430 الموافق 05 أغسطس 2009
السؤال

أنا امرأة متزوجة منذ سبع سنوات، ولدي طفل واحد فقط.. مشكلتي هي أني أبغض زوجي كثيراً، وذلك بسبب المشكلات التي عشتها معه، فمنذ بداية زواجنا لديه علاقات مع الفتيات، ولا يصلي أبداً حتى الآن، وقد ضربني عدة مرات، ويشاهد الأفلام الخليعة، ولا يقترب مني في الفراش.. وأنا نفسيتي تعبت من كل هذه التصرفات، فطلبت الطلاق عدة مرات ولكنه لم يرض أن يطلقني.. ولكن في الوقت الحالي تغير إلى الأفضل، وقد ترك علاقته مع الفتيات ولكنه لا يصلي حتى الآن.. ومشكلتي الآن أنني لا أستطيع أن أحبه كذي قبل، وأبغضه كثيراً، وأعصيه عندما يطلبني في الفراش.. وأنا امرأة متحجبة وأخاف الله ولا أريد جمع الذنوب.. حاولت كثيراً أن أضغط على نفسي ولكني لا أستطيع الصبر أكثر من ذلك، ولا أستطيع تلبية رغباته.. والآن أفكر بالطلاق لأني لا أستطيع العيش مع شخص أبغضه.. فهل يجوز الدعاء والصلاة ليطلقني زوجي؛ لأني حاولت كثيراً طلب الطلاق ولكن بلا جدوى.. أفتوني مأجورين..

الجواب

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فالجواب على هذا السؤال من وجوه:-

الأول: أن هذا الزوج تارك للصلاة، و لتارك الصلاة حالان: إما أن يتركها جحودا لفرضيتها، أو تهاونا وكسلا لا جحودا. فأما الحالة الأولى: فقد أجمع العلماء على أن تارك الصلاة جحودا لفرضيتها كافر مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كفرا كجاحد كل معلوم من الدين بالضرورة، ومثل ذلك ما لو جحد ركنا أو شرطا مجمعا عليه. واستثنى الشافعية والحنابلة من ذلك من أنكرها جاهلا لقرب عهده بالإسلام أو نحوه فليس مرتدا، بل يعرف الوجوب، فإن عاد بعد ذلك صار مرتدا.

وأما الحالة الثانية: فقد اختلف الفقهاء فيها - وهي: ترك الصلاة تهاونا وكسلا لا جحودا - فذهب المالكية والشافعية إلى أنه يقتل حدًّا، أي أن حكمه بعد الموت حكم المسلم فيغسل، ويصلى عليه، ويدفن مع المسلمين ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على  الله" ولأنه تعالى أمر بقتل المشركين ثم قال: "فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم" وقال صلى الله عليه وسلم: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة" فلو كفر لم يدخل تحت المشيئة.

وذهب الحنفية إلى أن تارك الصلاة تكاسلا عمدا فاسق لا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يموت أو يتوب.

وعند أحمد – في أصح الروايات عنه- وهو مذهب الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والشعبي، وأيوب السختياني، والأوزاعي، وعبدالله بن المبارك وحماد بن زيد، وإسحاق بن راهويه، ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وهو مقتضى قول الشافعي في الأم- كما سيأتي-: إلى أن تارك الصلاة تكاسلا يقتل،كفرا، أي لا يغسل ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة". وفي لفظ عن جابر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة". وعن بريدة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بيننا وبينهم ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر" رواه مسلم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون الصلاة". قال أحمد: كل شيء ذهب آخره لم يبق منه شيء. وقال عمر رضي الله عنه: لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. وقال علي رضي الله عنه: من لم يصل فهو كافر. وقال ابن مسعود: من لم يصل فلا دين له. وقال عبد الله بن شقيق: لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئا من الأعمال، تركه كفر، غير الصلاة.و قال الشافعي : يقال لمن ترك الصلاة حتى يخرج وقتها بلا عذر: لا يصليها غيرك، فإن صليت وإلا استتبناك، فإن تبت وإلا قتلناك كما يكفر فنقول إن آمنت وإلا قتلناك وقد قيل: يستتاب ثلاثا فإن صلى فيها وإلا قتل وذلك حسن - إن شاء الله - (قال المزني): قد قال في المرتد إن لم يتب قتل ولم ينتظر به ثلاثا لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من ترك دينه فاضربوا عنقه" وقد جعل تارك الصلاة بلا عذر كتارك الإيمان فله حكمه في قياس قوله، لأنه عنده مثله ولا ينتظر به ثلاثا.اهـ

فيتبين مما سبق اتفاق الأئمة الثلاثة بل عامة أهل العلم:على قتل تارك الصلاة تهاونا،وأما اختلاف الفقهاء من أتباع المذاهب الثلاثة في أنه هل يقتل حدا أو كفرا،فقد حقق شيخ الإسلام هذا التفريع عن المسألة الأصل،فقال رحمه الله: وأما من اعتقد وجوبها مع إصراره على الترك: فقد ذكر عليه المفرعون من الفقهاء فروعا. أحدها هذا، فقيل عند جمهورهم: مالك والشافعي وأحمد. وإذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرا مرتدا، أو فاسقا كفساق المسلمين؟ على قولين مشهورين. حُكيا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تنقل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإن كان مقرا بالصلاة في الباطن، معتقدا لوجوبها، يمتنع أن يصر على تركها حتى يقتل، وهو لا يصلي، هذا لا يعرف من بني آدم وعادتهم ; ولهذا لم يقع هذا قط في الإسلام، ولا يعرف أن أحدا يعتقد وجوبها، ويقال له: إن لم تصل وإلا قتلناك، وهو يصر على تركها، مع إقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قط في الإسلام. ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرا بوجوبها، ولا ملتزما بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلت عليه النصوص الصحيحة. فمن كان مصرا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلما مقرا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب، واعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرا ولم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد. والاعتقاد التام لعقاب التارك  باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانا أمور توجب تأخيرها وترك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانا اهـ. وحاصل جوابه رحمه الله: أنه لا يعقل أن يكون معتقدا لوجوب الصلاة ثم يصبر على القتل و يصر على الترك ففعله يدل على أن تركه للصلاة إنما هو جحود لوجوبها،فهو بإصراره على الترك مع القدرة على الفعل والعلم بالوعيد في حقه بالقتل،يدل أنه جاحد لوجوبها عليه،وهذا موجب لخروجه عن الملة باتفاق أهل العلم،وهذا قول وجيه،و المسألة فيها كلام طويل لا يسعه هذا الجواب.

الوجه الثاني:إن الطلاق له عواقب خطيرة على البيت المسلم والمجتمع بعامة،فهو تفكيك للأسر، ويصحبها غالبا تضييع للأولاد،فإن الأم لا تستطيع القيام بدور الأب،ولا الأب يستطيع القيام بدور الأم،ويبقى الضحية في ذلك الولد،فنصيحتي للأخت السائلة – وفقها الله لكل خير – أن تحاول إصلاح زوجها،خاصة بأمره بالصلاة، وتحرص ألا يقربها حتى يؤديها، وتبتهل إلى الله تعالى بذلك،ولعل الله عز وجل أن يجعل هدايته على يديك، فينالك أجره ما بقي من حياته لقوله صلى الله عليه وسلم "من دعا إلى هدى كان له مثل أجر من تبعه لا ينقص من أجورهم شيئا" متفق عليه، ولقوله صلى الله عليه وسلم  لعلي "لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم "رواه مسلم. فالذي هداه بترك الفواحش قادر على هدايته إلى الصلاة والصلاح والخير له ولأسرته.

الثالث: إذا أبغضت المرأة زوجها فلم تطق العيش معه ؛لمجرد الكره النفسي الحامل لها على الإخلال بحقه عليها –وإن كان صالحا في دينه-، فإنه يشرع لها طلب الخلع منه برد مهره إليه لما روى البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال جاءت امرأة ثابت بن قيس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إني لا أعتب على ثابت في دين ولا خلق ولكني لا أطيقه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فتردين عليه حديقته قالت نعم فقال لثابت: "خذ الحديقة وطلقها تطليقة".

فأما إن كان فيه خلل في دينه،كتركه للصلاة والعياذ بالله،فإن الحاكم الشرعي يفسخ النكاح بلا خلع لردته، وإن لم يكن ثمة حاكم شرعي أو تعسر إثبات ذلك، فإن عليها أن تخالعه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

وسؤال الله عز وجل هدايته وصلاحه، أولى من جهتين:

1- أن خير ذلك يعود إليك وعلى الطفل الذي بينكما.

2- ومن جهة أخوة الإسلام وما مضى من العشرة بينكما.

فإن كان الكره مستحكما،وترغبين الخلاص منه فإن الدعاء بذلك - والحال هذه-،جائز وهو كسؤال المظلوم رفع الظلم عنه،كقول آسية بنت مزاحم زوج فرعون:"ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين".فعمل فرعون  هو كفره وضلاله وإضلاله وظلمه.

والله أعلى وأعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ