إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الموت السريري والنفق الأبيض
المجيب
يوسف بن علي الطريف
التاريخ الخميس 29 شعبان 1430 الموافق 20 أغسطس 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

نريد الرأي الشرعي في ظاهرة تسمى تجربة الاقتراب من الموت، نشرتها بعض المواقع وهي تحدث لأناس حصل لهم موت سريري ثم عادوا للحياة، والغالب في سرد هذه القصص التحدث عن نفق أبيض، ومشاهدات للجنة أو النار والعذاب فيها، وقد يرون أشخاصاً ماتوا سابقا. وفي إحدى التجارب رأت فتاة غير مسلمة المسيح، وأخبرها بأنه ليس الله حقيقة المسألة محيرة، وكثرة التجارب من كافة البلدان تجعل الأمر متواتراً، فنريد معرفة الرأي الشرعي، وهل هناك دلائل من الكتاب والسنة على ذلك، وما موقف الإسلام من هذه الأمور، وما حكاية النفق الأبيض الذي يعبر منه الأموات للعالم الآخر؟ أفتونا مأجورين..

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته..

لا بد قبل الجواب على هذا الإشكال، الذي يحير بعض الناس؛ أن نذكر بشيء من الاختصار حقيقة الروح التي تسري في أجسادنا؛ وذلك أن نعتقد ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم في الروح؛ وألخصه في النقاط التالية:

1- أن الروح مخلوقة خلقها الله تعالى كما خلق الجسد؛ لعموم قوله سبحانه: "الله خالق كل شيء".

2- أن الروح ليست هي الحياة؛ بل هي مادة الحياة للجسد؛ فإذا خرجت الروح من الجسد أصبح جثة هامدة؛ تماماً كالجمادات.

 

3- أن الروح تموت؛ كما قال الله عز وجل: "كل نفس ذائقة الموت" وموت الروح هو مفارقتها للجسد؛ وليس معناه أنها تزول وتضمحل؛ بدليل الأحاديث الكثيرة التي صحت عن نبينا صلى الله عليه وسلم؛ بأن الروح تصعد وتنزل ويصيبها ـ بعد مفارقة الجسد ـ ما شاء الله من النعيم أو العذاب...

4- أن الروح من عالم الغيب؛ وشأنها محير وغريب؛ فلا يمكن لعقولنا أن تتصور حقيقة الروح؛ ولا يمكنها أن تصل إلى طبيعتها؛ فهي تتنقل بسرعة كبيرة جداً، وأحوالها وصفاتها لا نستطيع أن نفهمها... وهي أعظم غرابة من عالم الجن وعالم الملائكة...

5- بناء على ما تقدم في (رقم 4) نقول: إننا لن نستطيع أن نعرف شيئاً من أمر الروح إلا عن طريق الخبر عن الله ورسوله؛ لأنها مما اختص الله تعالى بعلمه كما قال سبحانه: "ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً".

إذا فهمنا ذلك واعتقدناه سهل علينا فهم ما يحكيه الناس من القصص حول مشاهدات للجنة أو النار والعذاب فيها، أو أنهم يرون أشخاصا ماتوا سابقاً...الخ.

ولماذا نستشهد بمن مروا بموت دماغي أو موت سريري ثم نجوا منه؛ والله عز وجل أرانا في منامنا صوراً تدل على عجيب شأن الأرواح؛ وكيف أن الإنسان تتنقل روحه وتذهب وتروح في ملكوت الله...إنها أمور محيرة فعلاً؛ تشاهد روحُك -وأنت نائم- أرواحاً أخرى! وتلتقي بها وتحدثها، وتأنس بها...! ويشعر الإنسان بأثر ذلك أحياناً؛ فيبكي ويضحك ويفرح ويحزن... ويؤثر ذلك على نفسه بعد استيقاظه من نومه، بل قد يصل الأثر إلى جسده أحياناً...!!

وهذا التنقل العجيب للروح في حال نوم الإنسان هو الذي ذكره ربنا جل وعلا في قوله: "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى" وهذا أقوى دليل على تنقل الروح ومفارقتها للجسد -في حال النوم- مفارقة جزئية، بخلاف الموت فإنها تفارقه مفارقة كلية...

فكل القصص والمشاهدات التي يذكرها الناس هي من هذا الباب؛ يعني أن كل ذلك يجري للروح حال النوم؛ أو ما شابهه من الإغماء وغيره.

أما ما يقال بأن هذه تجارب ما يسمى بالنفق الأبيض؛ فهذا عجز في تفسير ما يحدث للروح من أناس لا يؤمنون بالغيب؛ الذي بينه لنا ديننا الحنيف بياناً واضحاً لا لبس فيه ولا غموض؛ وإن كان يحير العقول؛ ومن القواعد الجميلة التي يذكرها العلماء؛ "أن شريعة الإسلام قد تأتي بما يحير العقول؛ ولكن لا تأتي بما تحيله العقول، فيستحيل أن يأتي الإسلام بما يمنع العقلُ حدوثه.

الحاصل؛ أنه ليس هناك تجارب للوصول إلى عالم الأموات؛ وليس هناك نفق أبيض ولا أسود...!! كل هذا جاء به من لا يؤمن بالله ورسوله؛ فتقوَّلوا بكلام لا علم لهم به...

وأعظم من ذلك أن يقال بأن الأموات يمكن أن يعبروا إلى العالم...!! نعم أرواح الأموات باقية لم تفن ولم تضمحل كما ذكرت لك؛ لكن هذا لا يعني أن الأموات يعودون إلى الحياة مرة أخرى؛ فالحياة لا يمكن أن تعود إلى الجسد إلا يوم القيامة؛ حين يبعث الله من في القبور.

هذا وقد راجعت الموقع الإلكتروني الذي ذكرته؛ ووجدت مادته قد أخذت -كما قلت لك- عن أناس لا يؤمنون بما نؤمن به نحن أهل الإسلام؛ ولذا لا يجوز تتبع ما قالوا، ولا الالتفات إلى ما يذكرون من تدريبات وطرق وأشياء يتوصل بها إلى عالم الأموات...

وأشير عليك بأن تقرأ كتاب (الروح) للإمام ابن القيم؛ فقد جمع كل ما يتعلق بهذا الباب.

وأنصحك بأن لا تعتمد على ما يذكره غير المسلمين حول الأمور الغيبية؛ فديننا قد كفانا في ذلك ونوَّر عقولنا؛ فنستغني بما جاء به عن تخرص المتخرصين وحيرة الحائرين.

نور الله بصيرتك، وفتح عليك، وهداك لما يحبه ويرضاه. وصلى الله على نبيه محمد.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ