إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان رحمة الله وآلام الحيوانات وعذاباتها
المجيب
يوسف بن علي الطريف
التاريخ الاربعاء 19 رمضان 1430 الموافق 09 سبتمبر 2009
السؤال

تأتيني وساوس وأتعجب عندما أشاهد أحد مخلوقات الله اللطيفة الجميلة المسالمة (غزال، حيوان صغير، فأر،طائر.....) ينهشه ويمعن قي تعذيبه حيوان أو طائر مفترس، بحيث لا يموت في بعض الحالات إلا بعد عدة ساعات أو أيام. وعندما أشاهد قطًا أو كلبًا صغيراً يقطع أحد الشوارع فتصدمه سيارة، ويبقى يتعذب ويتلوى أمام المارة لعدة ساعات قبل أن يموت.. عندما أرى بعض الحوادث للأطفال التي لا يستطيع الإنسان مشاهدتها فضلا عن مساعدتهم. -أنا والحمد لله- ليس لدي أدنى شك في أن الله هو أرحم الراحمين، وأن ما يخالج نفسي من هذه الوساوس إنما هي من الشيطان، وقلة العلم في هذا الجانب . أرجو من سماحتكم التعليق بشيء من التفصيل وذلك ليطمئن قلبي. وجزاكم الله خيراً.

الجواب

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

رحمة الله لجميع الخلق أمر مقطوع به بلا شك.

وأما الإشكال الذي عندك ـ ويقع لعدد من الناس ـ فأمر عادي، لا يجوز لأحد أن يعنف سائلاً يريد دفع شبهة قامت في قلبه...

ونظراً لكونك ـ أخي السائل ـ قد سألت سؤالاً دقيقاً؛ فأصغ إلى الجواب؛ فهو دقيق كسؤالك.

أقول: إن الصحابة رضي الله عنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن أمور أدق مما سألت عنه وأعمق؛ وهذا ثابت في عدة أحاديث؛ منها: أنهم لما سمعوا قول النبي صلى الله عليه وسلم: « مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ وَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ مَكَانَهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَإِلاَّ وَقَدْ كُتِبَتْ شَقِيَّةً أَوْ سَعِيدَةً » قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نَمْكُثُ عَلَى كِتَابِنَا وَنَدَعُ الْعَمَلَ؟ فَقَالَ « اعْمَلُوا ، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ؛ أَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ». ثُمَّ قَرَأَ (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى).

وهذا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ يقول: يَا رَسُولَ اللَّهِ بَيِّنْ لَنَا دِينَنَا كَأَنَّا خُلِقْنَا الآنَ ! فِيمَ الْعَمَلُ الْيَوْمَ؟ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ، أَمْ فِيمَا نَسْتَقْبِلُ؟ فقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لاَ ! بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الأَقْلاَمُ وَجَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ ». قَالَ سراقة: فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ رسول الله: « اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ ». والأحاديث في هذا المعنى كثيرة.

فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعنف على هذا السؤال الجريء، ولم يحذرهم من ذلك؛ بل بين أن الإنسان لا يدع العمل وإن كان يعتقد بأن الله عز وجل يعلم أنه من أهل الجنة أو من أهل النار؛ وبين ـ أيضاً ـ بأن الله ييسر أهل السعادة لعمل أهل السعادة، وييسر أهل الشقاء إلى عمل أهل الشقاء، مع أنه سبحانه خلق الإنسان قادراً مختاراً، وبين له طريق الخير وطريق الشر...

والكلام في هذا يطول؛ لكن أرجع إلى سؤال السائل عن رحمة الله تعالى؛ فلا يخفى على السائل وغيره من المسلمين أن الله أرحم الراحمين، وأن رحمته وسعت كل شيء، وأنه أرحم بخلقه من الأم بولدها، ولا يعارض ذلك ما يقضيه الله تعالى من العذاب لبعض مخلوقاته، لأنه سبحانه إنما قدر ذلك لما يترتب عليه من حكمٍ عظيمةٍ، ويجب أن نعتقد بأن ربنا جل وعلا لا يقدر شيئاً إلا لحكمةٍ، وهو منزه عن الظلم.

ونحن معشر البشر قد ندرك شيئاً من حكمة الله تعالى؛ وهنا تظهر لنا بعض الحكم في تقدير الله تعالى لمثل ما ذكر السائل من تعذيب بعض الحيوانات، أو تعذيب الأطفال؛ ووجود حيوانات ضارة.. ونحو ذلك؛ لكن قبل أن أذكر الحكم العظيمة المترتبة على وقوع العذاب على بعض المخلوقات التي لم تقترف ذنباً، أريد أن أبين أمراً مهماً للغاية وهو أساس يجب فهمه في مسألة القدر؛ وقد ذكره الإمام ابن القيم في كتابه الحافل "شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل" وهو: أن كثيراً من الشبه عند الناس مبناها على أصل فاسد، وهو: قياس الرب على خلقه؛ فيحسن من أفعاله؛ ما يحسن من أفعالهم، ويقبح من أفعاله ـ سبحانه ـ ما يقبح من أفعالهم. وهذا الأصل الفاسد هو سبب ضلال من ضل في باب القدر.

فقياس أفعال الرب سبحانه على أفعال العباد من أفسد القياس، وكذلك قياس حكمته على حكمتهم، وصفاته على صفاتهم، كل ذلك أساس الخطأ، ومبدأ الضلال.

ومن المعلوم أن الرب تعالى علم أن عباده يقع منهم الكفر والظلم والفسوق وكان قادرا سبحانه على أن لا يوجدهم، أو أن يوجدهم كلهم أمة واحدة على ما يحب ويرضى، وأن يحول بينهم وبين بغي بعضهم على بعض، ولكن حكمته البالغة أبت ذلك، واقتضت إيجادهم على الوجه الذي هم عليه.

وخلق الله النفوس أصنافاً: فصنف مريد للخير وحده، وهي نفوس الملائكة. وصنف مريد للشر وحده، وهي نفوس الشياطين، وصنف فيه إرادة النوعين وهي النفوس البشرية.

فالصنف الأول: الخير لهم طباع؛ وهي محمودة عليه. والصنف الثاني: الشر لنفوسهم طباع وهي مذمومة عليه. والصنف الثالث: بحسب الغالب عليه من الوصفين؛ فمن غلب عليه وصف الخير التحق بالصنف الأول، ومن غلب عليه وصف الشر التحق بالصنف الثالث.  والرب تعالى اقتضت قدرته وعزته وحكمته إيجاد المتقابلات في مخلوقاته؛ في الذوات والصفات والأفعال؛ وقد نوع الله خلقه تنويعاً دالاً على كمال قدرته وربوبيته.

فمن أعظم الجهل والضلال أن يقول القائل: هلا كان خلقه كلهم نوعاً واحداً؛ فيكون العالم خيراً كله، أو نوراً كله !!

وأكثر النفوس جاهلة بالله وحكمته وعلمه وكماله؛ فيفرض أموراً ممتنعة، ويقدرها تقديراً ذهنياً ويحسب أنها أكمل وأولى... والوهمُ الفاسدُ قد يجعل ما ليس ممكناً كمالاً.

وأما الحكم المترتبة على وقوع العذاب على بعض المخلوقات التي لم تقترف ذنباً؛ فمنها:

1ـ ظهور قدرة الله تعالى في إيجاد المتضادات والمتنافرات في هذا الكون الكبير، فالسباع تأكل بعض الحيوانات، والأسماك الكبيرة تقتات على الأسماك الصغيرة... ومن كمال حكمته وقدرته أن أخرج الأضداد من أضدادها؛ فأخرج الحي من الميت، والميت من الحي، والرطب من اليابس واليابس من الرطب.

وكذلك أنشأ اللذات من الآلام، والآلام من اللذات، فأين آلام الحيوان من لذته؟ وأين سقمه من صحته؟ وأين جوعه وعطشه من شبعه وريه؟ وتعبه من راحته؟

2ـ تهيئة النفس التي وقع عليها العذاب لصحة أو قوة أوكمال؛ تعيشه النفس بعد ذلك.

3ـ أن الله تعالى جعل من لوازم خلقة الإنسان والحيوان في الدنيا النقص والعجز والألم؛ ولو كان الإنسان وغيره من الحيوان لا يجوع ولا يعطش ولا يتألم في عالم النقص والفساد لم يكن حيواناً، ولكانت هذه الدار دار بقاء ولذة مطلقة كاملة، والله لم يجعلها كذلك، وإنما جعلها داراً ممتزجاً ألمها بلذتها، وسرورها بأحزانها وغمومها، وصحتها بسقمها، حكمة منه بالغة...

4ـ  أن الآلام والأمراض والمصائب أدوية للأرواح والأبدان؛ وبذلك تكون كمالاً للحيوان خصوصاً لنوع الإنسان، فإن فاطره وبارئه إنما أمرضه ليشفيه، وإنما ابتلاه ليعافيه، وإنما أماته ليحييه، فهو سبحانه يسوق الحيوان والإنسان في مراتب كماله طوراً بعد طور، إلى آخر كماله بأسباب لا بد منها وكماله موقوف على تلك الأسباب.

هذه بعض الحكم والأسرار، التي تتبين لمن تأملها، مما يسمح به المقام، وما خفي من الحكم أعظم وأجل.

فالحاصل أنه لا تعارض بين عموم رحمة الله تعالى، ووقوع العذاب والآلام على بعض المخلوقات. فنحن نؤمن برحمة الله الواسعة، وحكمته البالغة، ويجب أن نبعد عن أذهاننا افتراض التناقض بينهما؛ بشيء من التأمل والتدبر. والله الموفق.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ