إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل يحرم بالزنا ما يحرم بالنسب؟
المجيب
أحمد بن صالح الوشمي
التاريخ الاحد 05 رجب 1430 الموافق 28 يونيو 2009
السؤال

رجل زنى بامرأة ولدت بنتاً، هل يجوز لابنه من زوجة أخرى أن يتزوج بهذه الفتاة من الزنى، أفتونا مأجورين..

الجواب

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

فالزنا من كبائر الذنوب، قال تعالى "وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا" [الإسراء: ٣٢]، و الزنا سبب لاختلاط المياه المفضي لاختلاط الأنساب، وفساد الأسر وضياع الأولاد، وسبب من أسباب حلول سخط الله تعالى ونزول عقوبته، فالواجب الابتعاد عنه، والحذر من وسائله، وأشدها تبرج النساء، والتساهل في الاختلاط بين الجنسين، وعدم حرص الرجل على وقاية أهله من الزوجات والبنات والأخوات والحفاظ عليهم.

والعلماء مختلفون في حكم الزنا هل يحرم به ما يحرم بسبب النكاح في حرمة المصاهرة؟

الجمهور من العلماء على أن الوطء بالزنا له حكم الوطء بالنكاح في تحريم المصاهرة، وذهب مالك والشافعي إلى خلاف ذلك.

والأقرب ما ذهب إليه جمهور العلماء لقوله تعالى (حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم)، وهذه البنت المذكورة في السؤال مخلوقة من ماء أبيه، وهذه حقيقة لا تختلف بالحل والحرمة، فهي بنت أبيه قدراً لا شرعاً، ومما يدل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية أنظروه -يعني ولدها- فإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك بن سحماء، يعني الزاني، ولأنها مخلوقة من مائه فأشبهت المخلوقة من وطء الشبهة، ولأنها بضعة منه فلم تحل له كبنته من النكاح.

وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى.

ومما يؤيد ذلك أيضاً أن المرأة المزني بها إن كانت وقت الزنا ليست متزوجة، وهذا الأب الزاني رغب في استلحاق البنت وفعل ذلك لحقت به البنت نسباً، فكانت بنتاً له قدراً وشرعاً، وبذلك تكون أختاً للخاطب كما هو الراجح عند بعض محققي أهل العلم كابن تيمية، حيث قال في «الفتاوى الكبرى» (4/585): «وإن استلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي وإسحاق»، وأيضاً رجحه ابن القيم (زاد المعاد 5/425).

وذلك للحديث المذكور آنفاً، و حديث جريج العابد في الصحيحين وغيرهما في القصة المشهورة، وفيه:«أن بغيًّا راودته عن نفسه فامتنع، فأتت راعيًا فأمكنته من نفسها، فولدت غلامًا، فقالت: هو من جريج، فأتوه فكسروا صومعته، وأنزلوه، وسبوه، فتوضأ، وصلى، فدعا بالغلام، فغمز بإصبعه في بطنه وقال له: يا غلام، من أبوك؟ فقال الغلام: فلان الراعي» الحديث أخرجه البخاري رقم (1148)، ومسلم رقم (2250).

ولذلك فأنصح بالابتعاد عن الزيجة، لا سيما وأن هذا الزواج ربما أثار الفتنة بين والد الشاب راغب الزواج، وبين أم البنت، فوقع المحذور بينهما من جديد.

ومن باب التذكير فقد وردت أحاديث في ذم ولد الزنا، ولكن أكثر هذه الأحاديث ضعيفة لا تصح، فقد روى أبو داود في سننه (4 / 39)، وأحمد في المسند ( 2 /311) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ولد الزنى شر الثلاثة" يعني أكثر شرا من والديه. وممن حسنه ابن القيم في المنار المنيف ( 133)، والألباني في السلسلة الصحيحة (672)..

وقد وجه العلماء الحديث بعدة توجيهات أشهرها:

ما قاله سفيان الثوري: بأنه شرّ الثلاثة إذا عمل بعمل والديه.

وقد روي ذلك عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "هو أشر الثلاثة إذا عمل بعمل والديه. يعني ولد الزنا" وإن كان إسناده ضعيفا فقد حمله على هذا المعنى بعض السلف كما تقدم.

ويؤيد هذا التفسير ما رواه الحاكم ( 4 / 100 ) -بسند قال عنه الألباني: "يمكن تحسينه"- عن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس على ولد الزنى من وزر أبويه شيء.( ولا تزر وازرة وزر أخرى )". ( السلسلة الصحيحة 2186 ).

وبعض العلماء قال إن هذا الحديث محمول على أن غالب أولاد الزنا يكون فيهم شر لأنهم يتخلقون من نطف خبيثة، والنطفة الخبيثة لا يتخلق منها طيب في الغالب. فإن خرج من هذه النطفة نفس طيبة دخلت الجنة، وكان الحديث من العام المخصوص. (انظر المنار المنيف 133). والله تعالى أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ