إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان زيارة أماكن الأقوام السابقين من المدائن والأهرامات
المجيب
د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 15 رجب 1430 الموافق 08 يوليو 2009
السؤال

أريد أن أستفسر عن النهي الذي يذكره بعض العلماء حول زيارة أماكن الأقوام السابقين من المدائن أو الاحقاف والأهرامات . كما أرجو معرفة الفهم الصحيح للحديث الوارد في الصحيح عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم ماشياً إلى تبوك، ومرّ بديار ثمود، فقال: لا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، إِلاّ أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ؛ حَذَراً أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ ..... أريد التوجيه الصحيح لهذا الحديث تجاه هذا الحكم السابق.. وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه , أما بعد :

فأولا : الحديث خاص بالديار التي ثبت حلول عقوبة الله بها ، فالأهرام وما كان نحوها من الآثار التي لم يثبت نزول عقوبة فيها لا تدخل في لفظ الحديث أصلا .

ثانيا : من أحكام الحديث ما هو خاص بديار ثمود، وهو الأمر بعدم استعمال الآدميين خاصة لماء بئرها في شرب أو طبخ ونحوهما ، وأما الحكم الذي يعم كل ديار وقعت فيها عقوبة (كثمود وغيرها) فهو النهي عن نسيان العبرة من قصة عقوبتهم ، والخشية من أن يموت القلب إذا استبدلنا العظة منها بالاستمتاع وحده .

فالنهي جاء مقيّداً بقيد صريح ، وهو بأن يكون مع العظة والاعتبار (إلا أن تكونوا باكين) ، فإذا تحققت الموعظة فلا تتحقق العلة الظاهرية للنهي .

المهم ألاّ يسنخف المسلم بعقوبة الله ، وأن لا يأمن مكر الله ، فإذا لم يحصل له ذلك فلا شيء عليه بدخول ديار المعذبين .

وأكبر صارف للحديث عن ظاهره في رأيي , أمور ثلاثة :

الأول: أن نصوص الشريعة الواضحة جاءت تنفي وجود التشاؤم والتطير ،ومعنى ذلك أن العقوبات التي نزلت بديار المعذبين إنما نزلت بأهلها الكافرين ،ولا علاقة للأرض بذلك .

بل إن اعتقاد ملازمة العقوبة أو اللعنة للأرض فيه إثبات للتشاؤم الذي أبطلته الشريعة .

الثاني : أن محكمات الشريعة جاءت تبين أيضا أن الأرض المقدسة لا تقدس أهلها ، وأن الأرض التي نزل بها العذاب لا تلعن المؤمن إذا نزل فيها .

والثالث :  وهو أوضح من ذلك كله : أنه إذا كانت لا تزر وازرة وزر أخرى ، فكيف يعاقب المؤمن لمجرد دخوله أرضا نزلت فيها عقوبة الله تعالى ؟! إنما يعاقب المرء إذا كان قاسي القلب ، فلم يخش الله تعالى ، وأمن عقوبته تعالى ، ولم يتعظ من حلول سخط الله –عزوجل- بمن خالف أمره ، ولم يعتبر بشواهد غضبه –تعالى- على من عصاه .

فلا يمكن أن يستحق المؤمن الطائع عقوبة الاستئصال بمجرد دخول دار نزلت فيها عقوبة على الكفار المعاندين (ولو كان الدخول المجرد معصية)، إلا إذا شابهت حاله في العصيان حالهم ، كقسوة في القلب، واستخفاف بجلال الله تعالى.

وإن ذهب بعض أهل العلم إلى عدم جواز سكنى البلاد التي نزلت بها العقوبة ؛ لأن استحضار الاعتبار مع استمرار السكنى بها يكاد يكون متعذِّراً . فهذا الحكم من وجه آخر سبب للحفاظ على تلك الديار، وسبب لبقائها دون تغيير ، لتبقى عظة للمعتبرين ودرساً قائماً للخالفين .

والحمد لله ذي الجلال، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أزوجه والآل. والله أعلم..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ