إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تغيير السلطة بالانتخابات
المجيب
د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الاربعاء 11 شوال 1430 الموافق 30 سبتمبر 2009
السؤال

ما حكم فرض الشريعة الإسلامية على الشعب دون الأخذ بموافقتهم ورأيهم؟ وما موقف الإسلام في تغيير الحكم والسلطة عن طريق الانتخابات؟ ألا يتناقض أو يتصادم هذا المبدأ مع الثوابت الإسلامية ومبادئها؟ وما موقف الإسلام في تنازل الإسلاميين عن الحكم والسلطة وتركها لآخرين قد يكونون علمانيين، وذلك في حالة عدم حصولهم على الأصوات الكافية واللازمة لبقائهم في الحكم؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

هذا السؤال يتضمن ثلاثة أسئلة، هي:

1- حكم فرض الشريعة الإسلامية على الشعب، دون الأخذ بموافقتهم؟.

2- موقف الإسلام من تغيير الحكم والسلطة عن طريق الانتخابات، ألا يتناقض مع الثوابت الإسلامية ومبادئها ؟.

3- موقف الإسلام من تنازل الإسلاميين عن الحكم والسلطة، وتركها لآخرين قد يكونون علمانيين، وذلك في حالة عدم حصولهم على الأصوات الكافية اللازمة لبقائهم في الحكم؟.

والجواب:

أن الحاكم المسلم في الدولة المسلمة، لا يحل له ولا يجوز أن يحكم بغير ما أنزل الله تعالى، ولو كان ذلك يخالف أهواء الناس؛ فتحكيم الشريعة أصل كبير ليس محل مساومة، ولا تصويت.

على هذا أخذ الله العهد على نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:

"وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون".

وهكذا فعل النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده، حتى أربعة عشر قرنا خلت.

إذن على الحاكم المسلم في الدولة المسلمة فرض الشريعة، وهو مسئول عن ذلك، وليس بملزم شرعا أن ينظر في موافقة الناس على ذلك.

فتلك قاعدة، لكن لكل قاعدة استثناء؛ فإذا ما كانت الدولة المسلمة ضعيفة إلى الحد الذي لاتقدر فيه الدفع عن نفسها، وتحتاج في بقائها إلى غيرها، حتى لو كان يخالفها في دينها، ولو أنها فرضت –ولم تكن مفروضة- الشريعة على شعبها، وهم أديان مختلفة، كان في ذلك زوالها يقينا، أو إيقاع ضرر بها فوق الطاقة.

فتلك حالة ضرورة، وفي الضرورة تباح المحظورات.. وقد أباح الله للمؤمن أن يقول كلمة الكفر، إذا خشي على نفسه الموت، ولما كان المسلمون مستضعفين في مكة لم تتنزل الأحكام الشرعية العامة، حتى إذا تقووا، فكانت لهم المنعة، نزلت في المدينة.

فدل هذا التدرج، ومراعاة حال الضعف، وإعذار المكره: على أن المسلمين في سعة من أمرهم في أمر الحكم بالشريعة، فإذا تيقنوا اجتثاث بيضتهم في ناحية ما، واستباحة ديارهم، وهم عاجزون عن الدفع، فلهم تأخير فرض الشريعة،  حتى يجعل الله لهم فرجا.

على أن يكون اجتهادهم هذا من باب الضرورة، لا من باب التحريف لأدلة الشريعة.

في هذه الحال وما شابهها، يسوغ أخذ موافقة الشعب في فرض الشريعة، أو التصويت؛ لأنه ليس في الإمكان أحسن مما كان، كما يسوغ أكل الميتة.

عن تغيير السلطة والحكم من طريق الانتخابات؛ فالمقصود بها الانتخابات العامة، التي قررتها الديمقراطية، وهذا الطريق -عينه- لا يعرف له سند في نصوص الشريعة، ولا في تطبيقات الخلفاء الراشدين –خلافا لمن ادعى ذلك تلفيقا وتعسفا– حتى أربعة عشر قرنا. وأقرب مثال له -وليس كمثله- الشورى. وبينهما فرق ظاهر؛ فالشورى تكون لفئة هم أهل الحل والعقد من العلماء وذوي العقول الكاملة،  لا يدخل فيه عامة الناس، كما هو الحال في الديمقراطية.

ومع كونه غير معروف، إلا أنه لم يرد ما يمنع من اختيار الحاكم من طريق الانتخاب العام، ومع ذلك فلو عرضت مفاسد هذا النوع من الاختيار على النصوص، فإنها مانعة منه باعتبار المقاصد، فالمقصود اختيار الحاكم الأكفأ، والحال أن الانتخابات لا تأتي إلا بالأكثر جاذبية ولسانة، وصاحب ثراء أو يدعمه أثرياء، وتكثر فيها الدعايات الكاذبة المضللة للمرشح المطلوب، وتنشأ التكتلات القائمة على عرق أو مصلحة خاصة، وينشغل الناس زمنا، وتنفق الأموال الطائلة في غير طائل ولا نافع، مع حصول التزوير في النتائج في الأغلب، ثم يتسلم السلطة ذلك المرشح، فيمكث المدة لا يقدم ما هو مأمول، بل يحقق مصلحة الفئة التي دعمته، ليذهب بعدها ويأتي غيره، وهكذا دواليك، والناس في حالة من الفقر والفوضى، لم تحل مشاكلهم، إلا ما ندر، والنادر لا حكم له، أما الأمين الصالح الكفء، فإنه ينأى بنفسه عن الدخول في استعراض لقدرات النفس ومزاياها، والمراءاة بأفعاله، فتبقى الساحة متاحة لكثير من المحتالين، وقليل من المصلحين.

وانظر إلى الديمقراطيات في العالم، وانظر كم نجح منها - حتى في أوروبا، بالنظر إلى عمرها - تعرف الأمر كما هو.

فبالنظر إلى أن هذه أحوال لازمة، في الأعم الغالب، في الانتخابات العامة لاختيار الحاكم، فإن الشريعة  لا تقر مثل هذه الفوضى..

فإن فرض وقدر جدلا خلوها من كل ذلك، وسيرها بانسجام تام مع الأخلاق والقيم والدين والسنة، فليس في الإسلام ما يمنع من انتخاب الحاكم من طريق التصويت العام.

أما الانتخاب لاختيار مجلس تشريعي، يحلل ويحرم ولا ينصاع لشريعة الله تعالى، فهذا من الكفر والشرك الأكبر، وهو منازع لحق من حقوق الله تعالى..

لكن لو قدر وفرض جدلا -وهي حالة نادرة أقرب إلى المحال- أن المجتمع على الدين والسنة، كما كان عليه مجتمع الصحابة رضوان الله عليهم، ففي هذه الحالة النادرة أو المتخيلة، يمكن القول بأن علة المنع منتفية، فلن يحل ويحرم مجلس ينبثق من هذا المجتمع إلا وفق ما شرع الله تعالى، وحينئذ تباح الانتخاب لاختيار السلطة التشريعية.

لكن أين هذا، وأين ذلك قبله ؟.

عن السؤال الثالث، فإنه غير مستقيم ولا منسجم، فإن الإسلاميين إذا لم يحصلوا على الأصوات اللازمة للحكم، فليس لهم خيار في التنازل عن السلطة، بل هم مضطرون لذلك، بحكم العهد الذي قطعوه على أنفسهم، حين دخلوا العملية الانتخابية، وهو التسليم للفائز.

غير أن لهم الاصطفاف في المعارضة، وممارسة المراقبة والمحاسبة، والتهيؤ لعملية انتخابية جديدة، وهذا الرأي المبيح دخولهم في العملية الديمقراطية، هو بالنظر إلى حال الضرورة.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ