إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان فعل ناقضًا ثم تشهَّد عند وفاته
المجيب
د. صالح العبد الله الهذلول
التاريخ الاحد 08 شوال 1430 الموافق 27 سبتمبر 2009
السؤال

شخص ارتكب ناقضًا صريحًا من نواقص الإسلام، وسفك الدماء، واستحل الأعراض، وأهلك الحرث والنسل مدة من الزمن، ثم تشهد شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله قبيل وفاته، فهل قوله هذا يعتبر توبة له من الناقض، وهذا له إسلام جديد يَجُبُّ ما قبله من الذنوب، مثل دخول الكافر الإسلام الدخول الكلي؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

ورد في السؤال أنه ارتكب ناقضاً من نواقض الإسلام، فإذا كان كذلك فقد خرج من الإسلام، حتى لو كان يقول لا إله إلا الله. هذا من حيث العموم.

إلا أنه يجب على المسلم أن لا يتعجل في الحكم على شخص معين، أو جماعة معينة بالكفر حتى يتأكد من توفر جميع شروط الحكم عليه بالكفر، وانتقاء جميع موانع التكفير بحقه، وهذا من شأن العلماء الراسخين في العلم، فهم الذين يقدرون ذلك، وعلى افتراض أن الشروط توفرت فيه، والموانع انتفت عنه، ثم تاب فإن باب التوبة مفتوح أمامه حتى لو كان أسرف على نفسه بارتكاب جملة من الكبائر من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، واغتصاب الأموال وغيرها، لأن نصوص التوبة على من تاب لا تستثني أحداً إذا كان في زمنها، فأعظم الذنوب الشرك بالله، ومع ذلك فيغفره الله تعالى إذا تاب صاحبه منه قبل وفاته، فما بالك بما دونه قال الله تعالى:"قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم". وقال سبحانه:"والذين لا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق آثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيها مهاناً إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً رحيماً" قال ابن تيمية رحمه الله:"وتبديل السيئات حسنات ليس مختصًا بمن كان كافراً" وقد قال الله تعالى: "إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا".

قال أبو العالية: سألت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب".

والاعتبار بكمال النهاية لا ينقص البداية، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية.

وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: "لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: "أبسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه، فقبضت يدي، قال: "مالك؟" قلت: أردت أن أشترط، قال: "تشترط ماذا؟"

قلت: أن تستغفر لي، قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله".

وثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الإسلام يجب ما قبله، والتوبة تجب ما قبلها".

وقصة الرجل الذي قتل تسعًا وتسعين نفساً.. الخ في الصحيحين.

وكذا حديث حكيم بن حزام رضي الله عنه في الصحيحين أيضاً، قال حكيم للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن منكم في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر".

وهو يدل على أنه لا يؤاخذ على الأعمال التي مضت في الجاهلية إذا أحسن.

فهذه نصوص من الكتاب والسنة، وأمثالها كثير تتحدث عن التوبة، وهي تفيد أن التوبة إذا كانت عامة تغفر الذنوب كلها.

أما ما يتعلق بحقوق الخلق من المظالم التي اقترفها التائب قبل توبته فيعفو الله تعالى عنها، وعفو ا لله تعالى عنها لا يعني ضياع حقوق من ظلموا، وانتهكت أعراضهم، وأموالهم ودماؤهم.. فهؤلاء يعوضهم الله، ويجزيهم عما عقدوا أو لقوا من عنت وظلم وتسلط. والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ