إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هذا من عدل الله
المجيب
فضل محمد البرح
باحث شرعي في موقع الإسلام اليوم
التاريخ السبت 15 رمضان 1430 الموافق 05 سبتمبر 2009
السؤال

سألني شخص فقال: أنتم تقولون إن الله عادل، فقلت له نعم، فالله لا يظلم أحداً، فقال لي؟ لماذا خلق الله ذلك الشخص ملتزماً وشيخاً، وخلق الشخص الآخر عاصياً، أين العدل؟ وأنتم تقولون أيضا أن كل شيء مكتوب ومسجل من قبل ولادة الشخص، فكيف له أن يغير ما كتبه الله له، هل هذا عدل بأن يكتب الله لك السعادة في الآخرة، وهو يكتب له الشقاء في الآخرة؟ أرشدوني كيف أرد عليه؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

إنّ الإسلام ليس كغيره من مختلف الديانات والتي قد سميت بأسمائها، إما إلى رجل أو أمة معينة، كالمسيحية التي أخذت تسميتها  نسبة إلى المسيح، واليهودية  نسبة إلى قبيلة تعرف بيهوذا فسميت باليهودية، وكذلك البوذية نسبة إلى مؤسسها بوذا، وهلم جرا، بينما تجد أن الإسلام لم ينسب إلى رجل خاص أو أمة بعينها، وإنما يدل على صفة تتضمنها كلمة "الإسلام" فإذا رجعت إلى معاجم اللغة تجد أن معناه هو: الانقياد والامتثال لأمر الآمر ونهية بلا اعتراض.

فكل من اتصف بهذه الصفة من غابر الناس وحاضرهم ومن سيتحلى بهذه الصفة هو مسلم.

وعندما ننظر إلى الكون طرا نجده يدين بدين الإسلام، فالشمس، والقمر، والنجوم، وكذلك الماء، والهواء، والنور، والجمادات، والنباتات، والحيوانات، والأرض، والسماء مذعنة لقانون خاص وقاعدة مطردة  من سنن الله الكونية، فلا قبل لها بالحركة عنها والخروج ولو قيد شعرة، حتى الإنسان نفسه مذعن لتلك القوانين المنظمة لحياته كغيره من المخلوقات.

فالإنسان الذي لا يعرف ربه بل ويجحد وجوده،وينكر آياته، ويشرك معه غيره هو مسلم من حيث فطرته التي فُطر عليها، كما بين ذلك رسولنا الكريم صلوات ربي وسلامه عليه في قوله: " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة: و اقرؤوا  إن شئتم "فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله " الآية / 30 / الروم. والفطرة التي فطر الله عليها الإنسان هى الإسلام، فإنه تعالى لم يخلقه كافرا ولا عاصيا كما يتوهم البعض.

فتمخضت حياة الإنسان إلى حالتين:

الأولى: أنه منقاد لقانون الفطرة مجبول على اتباعه.

الثانية " أنه أوتي العقل وقوة الفهم والتأمل والرأي، فهو غير مقيد فقد أوتي حرية الفكر  والاختيار في الرأي والعمل " وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا "( الكهف49)، فهاتان حالتان توجدان في حياة البشر وكل إنسان على حدة، فيكون في الأولى مسلما قد جبل على الإسلام الذي فطر على الالتزام به شأنه شأن غيره من المخلوقات  في هذا الكون.

وفي الحالة الثانية هو بالخيار كونه مسلما أو غير مسلم، وهذه هي الخيرة التي مكن الله العبد منها ليختار طريقه، فهذه الحالة تجعل الإنسان على مسارين،.

إنسان أعمل فكره وعقله، وعرف خالقة وآمن به ربا  وسيدا لنفسه، واتبع قانونه الشرعي في حياته الاختيارية  كما هو تابع لقانونه الطبيعي في حياته الجبرية، فهذا هو المسلم الذي قد استسلم رغبة وطواعية،  وأصبح طائعا لربه ومنقادا لشرعه، وقضى أن لا يعبد إلا الله، فهذا هو الذي استكمل إسلامه؛ لأن حياته أصبحت الإسلام بعينه، وأصبح صادقا مع الله ومع نفسه ظاهرا وباطناً.

وفي مقابله إنسان آخر ولد مسلما وعاش الإسلام  الكوني، إلا أنه لم يشعر بإسلامه، ولم يُعمِل قوته العلمية والعقلية؛ ليعرف من خلقه ورزقه وشق سمعه وبصره، فأنكر وجوده، واستكبر عن عبادته، وأبى أن ينقاد لقانونه  الشرعي فيما أوتي من حق التصرف والاختيار في أمور حياته، وأبى أن يؤمن بآياته الدالة على وحدانيته، وهذا هو الكافر، والكفر هو: الستر والتغطية  والمواراة، فيقال لمثل هذا الرجل كافر، لأنه ستر فطرته   وغطاها بغطاء من الجهل والسفاهة، حيث إنه ما ولد إلا على فطرة الإسلام، فهو لا يستخدم قواه العقلية والعلمية إلا فيما يخالف فطرته، ولا يرى إلا ما يناقضها، ولا يسعى إلا فيما يبطلها.

وبذلك يتبين سبب ارتكاس الكافر في الضلال البعيد والغي المبين.

ومع تفريط الكافر في استخدام حواسه وإعمالها في التفكير، وما أعطاه الرب من الاختيار وحرية الفكر لا يعفيه هذا عن المطالبة بالنظر وتصحيح تصوراته وخواطره المجانبة للصواب، والتطلع إلى معرفة التصور الصحيح عن الإله و الكون.

وإذا كان إعمال العقل البشري  مطلبا  لتسيير حياة صاحبه إلا  أن له حدود ليس بوسعه تجاوزها، إذ الإقدام على ذلك يعتوره كثير من الشبهات تحول دون الوصول إلى معرفة الحق.

إن العقل عاجز عن إدراك مصالحه ومضاره، فكيف إذا كان العبد قد غطى فطرته بالجهل وسفهه  فأنى له الاطلاع إلى ما حظر به علمه وقصر به فهمه؛ من أن الله قد أعده من الأشقياء ومن أهل النار، فإن هذا مخالف لما اتفقت عليه جميع الرسل، وتواطأت عليه جميع الكتب الإلهية، ولم تقبل به الفطر والعقول السليمة من أن الله له في قضائه وقدره العلم بالأشياء قبل وقوعها وكتابته لها ومشيئته بها وخلقه لها، ليس لمخلوق سواءً -كان ملكا مقربا أو نبيا مرسلا -  أن يكشف عن حقيقة  قضائه وقدره..

إنه من الرجم بالغيب والضلال البعيد أن يدعي الإنسان الاطلاع على ما قدره سبحانه، بل هو مطالب بالعمل والكل ميسر لما خلق له، وحجة  أن الله قد كتبه من أهل الشقاوة  وليس بوسعه العمل شبهة داحضة قد أبطلها رسول رب العالمين عليه الصلاة والسلام بقوله:" اعملوا فكل ميسر لما خلق له ".متفق عليه.

إن الذين يقحمون أنفسهم ويفترضون أنهم من أهل الشقاوة وأهل النار وأن الله تعالى ليس له تغير ما كتب، ليس هذا إلا تنصلا من العمل وهروبا من التكاليف، وتبريرا للوقوع فيما حرم الرب تعالى، والتمادي في الضلال والكفر، وإلا فليفترضوا أنهم من أهل السعادة وأهل الجنة، ويعلمون أنهم مطالبون بعمل أهل الجنة  فيعملون بعملهم،ويدعون الله تعالى بدعاء عمر حيث كان يقول في دعائه:" اللهم إن كنت كتبتني شقيا فامحني واكتبني سعيدا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت".فالرب تعالى فعال لما يريد لا حجر عليه.

 ولم يكن للإنسان يوما منأى عن الأوامر والنواهي،فالكافر مع كفره هو مطالب بالإيمان،والطلب داخل تحت قدرته واستطاعته ولم يترك سدى.  قال ابن القيم:" وقد فهمنا بضرورات المعقول من الشرع المنقول أنه عزت قدرته طالب عباده بما أخبر أنهم ممكنون من الوفاء به فلم يكلفهم إلا على مبلغ الطاقة والوسع في موارد الشرع "شفاء العليل/ ص 123.

ثم إن جعل الله تعالى بعد ذلك الناس الكافر منهم والمؤمن، وأهل الجنة وأهل النار ليس عبثا فهو منزه  عن ذلك، وليس ظلما فالله تبارك وتعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين العباد محرما، وجعل حكمه بين الفضل والعدل لا يسأل عما يفعل سبحانه، وهو سبحانه يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله، وله الحكمة البالغة وله في خلقه شؤون ليس للعقول غير التسليم.. قال الإمام الطحاوي:" فمن رام علم ما حظر عنه علمه، ولم يقنع بالتسليم فهمه، حجبه مرامه عن خالص التوحيد، وصافي المعرفة، وصحيح الإيمان" الطحاوية / ص 460.

 فالله تبارك وتعالى على كل شيء قدير إلا أن قدرته تعالى مقرونة بحكمةٍ متناهية، والحكمة معناها وضع الشيء في موضعه، فالله قبض من يستحق السعادة بيمينه منةً وفضلا، وقبض من يستحق الشقاوة بشماله عدلاً وقسطا،  فالمساءلة لا تكون إلا في حق المخلوق لا في حق الخالق قال سبحانه:" لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (23) الأنبياء.

قال ابن أبي العز:"اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة في الأوامر والنواهي والشرائع " شرح الطحاوية / ص 143.

فالكون وما أودع الله فيه من مخلوقات متنوعة ومتضادة  تتجلى فيها قدرته سبحانه وعفوه وحكمته وعدله وفضله وإحسانه وآثار أسمائه جل في علاه، تكون للعبد محلا للتفكر وزيادة للإيمان، لا للتنكر  وضرب آيات الله بعضها ببعض.

  قال ابن القيم:"وقد اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن أقام في هذا العالم لكل حق جاحدا، ولكل صواب معاندا، كما أقام لكل نعمة حاسدا، ولكل شر رائدا،وهذا من تمام حكمته الباهرة وقدرته القاهرة ليتم عليه كلمته، وينفذ فيهم مشيئته، ويظهر فيهم حكمته، ويقضي بينهم بحكمه، ويفاضل بينهم بعلمه، ويظهر فيهم آثار صفاته العليا، وأسمائه الحسنى، ويتبين لأوليائه وأعدائه يوم القيامة أنه لم يخلق إلا لحكمة، ولم يخلق خلقه عبثا ولا يتركهم سدا، وأنه لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما باطلا، وأن له الحمد التام الكامل على جميع ما خلقه وقدره وقضاه، وعلى ما أمر به ونهى عنه، وعلى ثوابه وعقابه، وأنه لم يضع من ذلك شيئا إلا في محله الذي لا يليق به سواه،  قال تعالى:" وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (109) الأنعام " / شفاء العليل /ص 217.

فكلما تمعن الإنسان في هذا الكون ونظر إلى النواميس الإلهية والقوانين الربانية  في تسيير هذا الكون، ونظر إلى نفسه بجميع مراحلها مذ تكوينه مرورا بحياته الدنيوية وانتهاءً بحياته الأخروية  يعرف -دون شك- أن هذه العقيدة هي أقرب عقيدة إلى العقل، من بين جميع العقائد التي توجد اليوم، فليس فيها شيء  يخالف العقل  أو يكون من المستحيل وجوده.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ