إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الجمع بين تفضيل العرب والاعتبار بالتقوى
المجيب
د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ السبت 22 رمضان 1430 الموافق 12 سبتمبر 2009
السؤال

يردد بعض علمائنا و دعاتنا بأن الجنس العربي أفضل من الأجناس الأخرى و ذلك لجنسهم العربي.  السؤال: كيف لنا أن نجمع بين حديث الرسول صلى الله عليه و سلم -إن وجد- بأن الجنس العربي أفضل من غيرهم ،و بين قوله تعالى :(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)؟ وكذلك كيف نجمع بين خطبة الرسول صلى الله عليه و سلم في حجة الوداع، عندما قال: لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى؟ و إذا كان كذلك فهل يعني أنه لو تساوى العربي و العجمي في التقوى و في كل شيء فإن كفة العربي ترجح على كفة العجمي المسلم ؟ كيف نستطيع أن نفهم ذلك وديننا الحنيف ينبذ العنصرية والعرقية؟ ألا يعد تفضيل العربي المسلم على العجمي المسلم عنصرية؟ أنا أريد حديثاً صريحاً من الرسول صلى الله عليه و سلم يوضح فيه أن الجنس العربي أفضل من الجنس العجمي لمجرد العروبة فقط. لدينا مقولات للرسول صلى الله عليه و سلم تقول بأن عروبة أحدنا من وجد له أبوان في الإسلام. فكيف نقول إن الجنس العربي أفضل من الأجناس الأخرى؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:

من المقرر في الشريعة الإسلامية الخالدة أن التفاضل بين الناس يكون بالتقوى والعمل الصالح، قال تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات : 13] ، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى" [أخرجه أحمد ح (22391)] ، وقال أيضاً:"مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ" [ أخرجه مسلم ح (2699) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- ] ، قال النووي:"معناه: من كان عمله ناقصاً، لم يُلْحِقه بمرتبة أصحاب الأعمال، فينبغي ألا يَتَّكِل على شرف النسب ، وفضيلة الآباء، ويُقَصِّر في العمل"، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَكْرَمُ النَّاسِ؟ قَالَ أَتْقَاهُمْ ، وهذا لا ينافي أن الله سبحانه وتعالى اختص العرب بإنزال الكتاب العزيز بلسانهم ولغتهم، قال سبحانه وتعالى : (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف : 44]، وجعل الله سبحانه وتعالى خاتم الأنبياء والمرسلين – صلى الله عليه وسلم – من العرب ، قال تعالى:(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)[الجمعة : 2]، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم - :"إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ " [أخرجه مسلم ح (2276)] ، وقد ذهب جمهور أهل السنة إلى أن جنس العرب أفضل من غيره ، قال الشيخ مَرعي الحنبلي في كتاب"مسبوك الذهب في فضل العرب":وبالجملة فالذي عليه أهل السنة والجماعة اعتِقاد أن جنس العرب أفضل مِن جنس العجم ... وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش ، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق أجمعين، وأشْرفهم نَسَبا وحَسَبا، وعلى ذلك دَرَج السلف والْخَلَف".

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم ص (148):"الذي عليه أهل السنة والجماعة اعتقاد أن جنس العرب أفضل من جنس العجم: عبرانيهم وسريانيهم رومهم وفرسهم وغيرهم ، وأن قريشا أفضل العرب، وأن بني هاشم أفضل قريش، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أفضل بني هاشم، فهو أفضل الخلق نفسا، وأفضلهم نسبا، وليس فضل العرب ثم قريش، ثم بني هاشم، بمجرد كون النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم - وإن كان هذا من الفضل - بل هم في أنفسهم أفضل ، وبذلك ثبت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه أفضل نفسا ونسبا"

ولابد أن نستحضر أن هذا التفضيل تفضيل الجملة على الجملة، فلا يستلزم أن يكون كل فرد من العرب أفضل من كل فرد من غيرهم، ويوجد في العجم أفراد أفضل من العرب، ويوجد في الفرس وغيرهم أفراد أفضل من العرب، فغير العربي إذا كان أتقى لله ، فهو أفضل من العربي الذي ليس مثله في الإيمان والتقوى فضلاً عن المقصر والمفرط، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19/29):"لكن تفضيل الجملة على الجملة لا يستلزم أن يكون كل فرد أفضل من كل فرد، فإن في غير العرب خلق كثير خير من أكثر العرب، وفي غير قريش من المهاجرين والأنصار خير من أكثر قريش ... والمقصود أنه أرسل - صلى الله عليه وسلم - إلى جميع الثقلين: الإنس والجن فلم يخص العرب دون غيرهم من الأمم بأحكام شرعية ... "، وقال في منهاج السنة النبوية (4/600): " أما نفس ترتيب الثواب والعقاب على القرابة، ومدح الله عز وجل للشخص المعين وكرامته عند الله وفضله فهذا لا يؤثر فيه النسب، وإنما المؤثر الوحيد هو التقوى والعمل الصالح ... وأما نفس القرابة فلم يعلق بها ثوابا ولا عقابا، ولا مدح أحدا بمجرد ذلك، وهذا لا ينافي ما ذكرناه من أن بعض الأجناس والقبائل أفضل من بعض، فإن هذا التفضيل معناه كما قال النبي - صلى الله عليه و سلم - الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا ... وقد يوجد في المفضول ما يكون أفضل من كثير مما يوجد في الفاضل، كما أن الأنبياء الذين ليسوا من العرب أفضل من العرب الذين ليسوا بأنبياء، والمؤمنون المتقون من غير قريش، أفضل من القرشيين الذين ليسوا مثلهم في الإيمان والتقوى، وكذلك المؤمنون المتقون من قريش وغيرهم أفضل ممن ليس مثلهم في الإيمان والتقوى من بني هاشم، فهذا هو الأصل المعتبر في هذا الباب دون من ألغى فضيلة الأنساب مطلقا".

 

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما حاصله في سبب تفضيل العرب فقال: " وسبب هذا الفضل - والله أعلم - ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم ، وذلك أن الفضل إما بالعلم النافع، وإما بالعمل الصالح ، والعلم له مبدأ، وهو قوة العقل الذي هو الحفظ والفهم، وتمام، وهو قوة المنطق الذي هو البيان والعبارة، والعرب هم أفهم من غيرهم ، وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة، ولسانهم أتم الألسنة بيانا، وتمييزا للمعاني جمعا وفرقا ، يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل، وأما العمل فإن مبناه على الأخلاق، وهي الغرائز المخلوقة في النفس، وغرائزهم أطوع للخير من غيرهم، فهم أقرب للسخاء والحلم والشجاعة والوفاء وغير ذلك من الأخلاق المحمودة "[ اقتضاء الصراط المستقيم ص (160)] .

ولابد من الإشارة إلى أن الإسلام قد ذم العصبية والعنصرية والتفاخر بالأحساب والطعن في الأنساب، وجعل أعظم رابطة وصلة بين المسلمين هي الإيمان، قال سبحانه وتعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ) [الحجرات : 10] ، وقال النبي –صلى الله عليه وسلم- :"مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى" [ أخرجه البخاري ح (6011)، ومسلم ح (2586)] ، وقال – صلى الله عليه وسلم -:"إِنَّ الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا "[أخرجه البخاري ح (481)، ومسلم ح (2585)] ، والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ