إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان اختلاف رواية بين الصحيحين والمستدرك
المجيب
محمود شعبان عبد المقصود
باحث شرعي بموقع الإسلام اليوم
التاريخ الاثنين 21 ذو القعدة 1430 الموافق 09 نوفمبر 2009
السؤال

سؤالي عن حديث الرجل الذي أخذ التراب فسجد عليه في المستدرك على الصحيحين للحاكم، في كتاب الإمامة من طريق أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله قال: أول سورة قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس الحج، حتى إذا قرأها سجد فسجد الناس، إلا رجل أخذ التراب فسجد عليه، فرأيته قتل كافرا.

وهو خلاف ما في الصحيحين من أن السورة هي سورة النجم، مع اتحادهما في المخرج، فمن أين أتي هذا الإسناد الذي ظاهره السلامة؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فهذا الحديث أخرجه الحاكم (1/220) من طريق عُبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن الأسود، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: أول سورة نزلت فيها السجدة الحج، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسجد وسجد الناس، إلا رجل أخذ التراب فسجد عليه، فرأيته قتل كافرًا.

قال الحاكم (1/221): تابعه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق... وساقه من طريق يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، به.

وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين بالإسنادين جميعًا ولم يخرجاه، إنما اتفقا على حديث شعبة عن أبي إسحاق عن الأسود عن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ (والنجم)... فذكره بنحوه، وليس يعلِّل أحد الحديثين الآخر؛ فإني لا أعلم أحدًا تابع شعبة على ذكره النجم غير قيس بن الربيع، والذي يؤدي إليه الاجتهاد صحة الحديثين، والله أعلم. انتهى.

ورواية شعبة التي أشار إليها الحاكم عند البخاري (1067، 1070، 3853، 3972)، ومسلم (576)، وغيرهما عن أبي إسحاق به: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم النجم...

وعلَّل الحاكم صحة الطريقين بأن شعبة خالفه إسرائيل وزكريا بن أبي زائدة فقالا (سورة الحج)، وأن شعبة لم يتابع على قوله (النجم) إلا من قيس بن الربيع.

والواقع أن شعبة وقيس بن الربيع لم ينفردا به، بل إن إسرائيل راويه عند الحاكم اختلف عليه، فرواه الحاكم كما سبق من رواية عبيد الله بن موسى عن إسرائيل، بلفظ (الحج)، وخالفه أبو أحمد الزبيري عند البخاري (4863)- ومن طريقه الخطيب في غوامض الأسماء المبهمة (2/594)- ووكيع عند أبي يعلى (5218)، وإسحاق بن منصور عند أبي حفص بن شاهين في ناسخ الحديث ومنسوخه (238)، فرووه عن إسرائيل بلفظ (النجم).

وتابع شعبة كذلك بلفظ (النجم):  سفيان الثوري. أخرجه أحمد (3682)، وأيوب بن جابر. أخرجه أبو عروبة الحراني في كتاب الأوائل (70).

فنخلص مما سبق أن أبا إسحاق اختلف عليه في هذا الحديث:

فرواه بلفظ (سورة الحج): زكريا بن أبي زائدة.

وخالفه: شعبة وسفيان الثوري وقيس بن الربيع وأيوب بن جابر، فرووه بلفظ (سورة النجم).

ورواه إسرائيل، واختلف عليه، فرواه عبيد الله بن موسى عنه مثل رواية زكريا بن أبي زائدة: (سورة الحج).

ورواه أبو أحمد الزبيري ووكيع وإسحاق بن منصور عن إسرائيل مثل رواية شعبة وسفيان وقيس بن الربيع وأيوب بن جابر: (سورة النجم).

وهل الإسنادان محفوظان أو أحدهما هو المحفوظ والآخر خطأ؟

فالحاكم يحكم على صحة الإسنادين جميعا اعتمادا على تفرد شعبة برواية سورة النجم ولم يتابعه غير قيس بن الربيع.

وفعل البخاري ومسلم عكس ذلك، وأن رواية شعبة هي الصواب، ولذلك أخرجاها في الصحيح، وهذا هو الحق، وذلك لأمور:

الأول: تخريج صاحبي الصحيح لرواية شعبة تقوية لها وأنها هي المعتمدة.

الثاني: قد توبع شعبة على روايته وليس كما قال الحاكم أنه تفرد بها، ولم يتابعه غير قيس بن الربيع، وقيس غير محتج به في الصحيح. وانظر معرفة علوم الحديث للحاكم (ص337).

الثالث: متابعة سفيان الثوري وأيوب بن جابر لشعبة، وكذا إسرائيل من رواية أبي أحمد الزبيري ووكيع وإسحاق بن منصور عنه خلافا لرواية عبيد الله بن موسى.

الرابع: اختلاط أبي إسحاق السبيعي، فالمعتمد هو رواية مَن سمع منه قبل الاختلاط، وهو في نظري أقوى المرجحات التي اعتمد عليها الشيخان: أن رواة لفظ (سورة النجم) وهي رواية الصحيحين هم شعبة وسفيان الثوري، وهما المقدمان بلا منافس في الرواية عن أبي إسحاق على اختلاف في المقدم منهما إذا اختلفا، وهما هنا اتفقا ولم يقدم أحد من الأئمة عليهما أحد في أبي إسحاق، إلا مما ذكر من تقديم إسرائيل وسيأتي ما فيه، على أن راوي اللفظ الآخر الذي اعتمده الحاكم زكريا بن أبي زائدة في حفظه لحديث أبي إسحاق ضعف؛ فإنه سمع منه بعد الاختلاط، وأما إسرائيل فقد اختلف عليه والمرجح هو رواية مَن لم يختلف عليه، على أن رواية إسرائيل عن أبي إسحاق ليست بالقوية، وقد نصوا على أن إسرائيل يختلف عليه في حديث أبي إسحاق، والبعض يقدم إسرائيل فيه، وسيأتي ذكر ذلك.

ويتضح صحة وتقدم رواية الصحيحين، وتفوق شعبة وسفيان على مَن خالفهما من كلام الأئمة الآتي في ذكر أصحاب أبي إسحاق السبيعي، كما في شرح علل الترمذي لابن رجب (ص270)، قال رحمه الله:

ذكر الترمذي في كتابه أن الثوري وشعبة أحفظ وأثبت من جميع مَن روى عن أبي إسحاق.

وقال ابن المديني: سمعت معاذ بن معاذ وقيل له: أي أصحاب أبي إسحاق أثبت؟ قال: شعبة وسفيان. ثم سكت.

وقال ابن أبي خيثمة: سمعت ابن معين يقول: أثبت أصحاب أبي إسحاق: الثوري وشعبة، وهما أثبت من زهير وإسرائيل، وهما قرينان.

وقال أبو زرعة: أثبت أصحاب أبي إسحاق: الثوري وشعبة وإسرائيل، وشعبة أحب إليَّ من إسرائيل.

وقال أبو عثمان البرذعي: سمعت أبا زرعة يقول: سمعت ابن نمير يقول: سماع يونس وزكريا وزهير من أبي إسحاق بعد الاختلاط.

وقال أبو زرعة: إذا فات شعبة وسفيان فزهير خلف، ثم زائدة.

وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: كان أبو إسحاق قد تأخر؟ قال: أي والله! هؤلاء الصغار زهير وإسرائيل يزيدون في الإسناد وفي الكلام.

ونقل جماعة عن أحمد تقديم شريك على إسرائيل في أبي إسحاق، وقال: إنه أضبط عنه وأقدم سماعًا. قال: ويختلف على إسرائيل في حديث أبي إسحاق.

وقال: زهير وإسرائيل وزكريا ليس حديثهم بالقوي عن أبي إسحاق.

وقال: إذا اختلف زكريا وإسرائيل في أبي إسحاق، فإن زكريا أحب إليَّ في أبي إسحاق من إسرائيل. ثم قال: ما أقربهما.

ونقل الأثرم عن أحمد قال: ما أقرب حديث زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، ولكن سماعه عندي مع هؤلاء الذين سمعوا بأخرة.

ونقل الدوري عنه قال: زكريا وزهير وإسرائيل حديثهم عن أبي إسحاق قريب من السواء، سمعوا منه بأخرة، إنما صحب أبا إسحاق سفيان وشعبة.

وقال العجلي: رواية زكريا بن أبي زائدة وزهير بن معاوية وإسرائيل عن أبي إسحاق قريب من السواء. قال: ويقال: إن شريكًا أقدم سماعًا منهم.

وذكر عثمان بن سعيد عن ابن معين قال: شريك أحب إليَّ في أبي إسحاق من إسرائيل، وهو أقدم.

قال: وزهير وإسرائيل وشريك وأبو عوانة في أبي إسحاق واحد، وإسرائيل أقدم من عيسى ليس به بأس. انتهى.

فيتضح مما سبق تقديم رواية شعبة وسفيان ومَن تابعهما على رواية إسرائيل وزكريا، وهذا فعل صاحبي الصحيح.

لكن لعل مذهب الحاكم رحمه الله فيما ذهب إليه ركونا منه أنه قد رجحت طائفة إسرائيل في أبي إسحاق خاصة على الثوري وشعبة، منهم ابن مهدي، ورُوي عن شعبة أنه كان يقول في أحاديث أبي إسحاق: سلوا عنها إسرائيل؟ فإنه أثبت فيها مني. كما في شرح العلل الموضع السابق.

لكن مَن يقدم رواية إسرائيل على رواية شعبة وسفيان يقدمها حيث لا يُخْتَلَف على إسرائيل في الرواية، وإلا فإسرائيل اختلف عليه، فإذا حكمنا بين وَجْهَي الاختلاف عليه، فالحكم لرواية أبي أحمد الزبيري ووكيع وإسحاق بن منصور على عبيد الله بن موسى، فإذا سقطتا فالحكم لرواية شعبة وسفيان ومَن تابعهما على رواية زكريا بن أبي زائدة؛ لثقة شعبة وسفيان وتقدمهما في أبي إسحاق، ولأن زكريا ليس بالقوي في أبي إسحاق أصلا، وقد سمع منه بأخرة بعد اختلاطه. والله أعلم.

 


إرسال إلى صديق طباعة حفظ