إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تقدير زكاة عروض التجارة
المجيب
د. هاني بن عبدالله الجبير
قاضي بمحكمة مكة المكرمة
التاريخ الاثنين 23 شوال 1430 الموافق 12 أكتوبر 2009
السؤال

أسأل عن إخراج زكاة العود (الطيب الخشبي) من النوع الفاخر، حيث إن زكاة العروض تقدر بقيمتها المعتادة عند حولان الحول، وهذا الطيب ليس له سعر محدد، بل يتفاوت ولا ينضبط، فكيف تُحدَّد قيمته التي يخرج بها؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فالزكاة تجب في عروض التجارة عند جمهور أهل العلم، وقد نقل عليه الإجماع ابن المنذر، واستدل الجمهور بأدلة منها في سنده مقال لحديث سمرة بن جندب قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع". رواه أبو داود والبيهقي.

وهذا ما سنده صحيح إن لم يكن صريحاً كحديث الصحيحين لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم منع خالد بن الوليد الزكاة، فقال: إنكم تظلمون خالداً فإنه احتبس درعه واعتده يعني جعلها وقفاً، فلا زكاة فيها، وهذا يدل على إخراج الزكاة من العروض فماله هو الدروع المذكورة.

وقد روى البيهقي أن عمر رضي الله عنه قال لحماس: "أد زكاة مالك فقال مالي مال إلا جعاب ولوم، فقال: قومها وأد زكاتها". وقد حسنه الإمام أحمد كما نقله في الفروع.

وهذا القول هو  الصواب إن شاء الله.

وفي زكاة  العروض يشترط بعض أهل العلم أن ينوي عقد تملكها أن يقصد بها التجارة، والصواب أن مجرد نية الإنسان بيع شيء من أملاكه يجعله عرضا يستحق الزكاة عند حولان الحول وهو معروض للبيع إذا كان أكثر من نصاب.

ولا إشكال أن العروض من العمارات والنباتات والحيوانات وسائر الأموال إذا حال عليها الحول فإنها تقدر قيمتها (فتقوم) ويخرج زكاتها ربع العشر من قيمتها.

والقيمة هي ما تساويه السلعة في السوق، فليس هو سعر الشراء، ولا الثمن الذي سيبيع به التاجر، ولا القيمة التي حددها لسلعته.

فقد يعرض التاجر سلعة بماله وقد اشتراها بأكثر من ذلك أو أقل، ثم يبيعها بمثل ما عرضها أو أقل أو أكثر، والعبرة عند إخراج الزكاة تحديد القيمة التي تسويها السلعة في السوق دون نظر الشراء للبيع ولا للسعر الذي عرضت به.

هذا هو المشهور عند أهل العلم.

وقد نقل ابن رشد في بداية المجتهد عن بعض الفقهاء أن الزكاة تخرج بناء على الثمن الذي اشتريت به السلعة، ولم يذكر قائله ولا دليله.

على أن المالكية يفرقون بين (المحتكر والمدير) فلا تجب الزكاة عندهم على المحتكر إلا بعد البيع ولو دار عليها سنوات، وأما المدير فيقوم سلعه كما سبق بقيمتها وقت حولان الحول، وقد ضعفه ابن رشد، وقد نقل في الفروع أن الميموني سأل الإمام أحمد عن قول ابن عباس في الذي يحول عنده المتاع للتجارة: قال يزكيه بالثمن الذي اشتراه.

فقال الإمام أحمد: أحسن منه حديث قومه (يعني قول عمر الذي تقدم).

وهذا القول عن ابن عباس لم أقف على سنده، وهو لو ثبت لكان شاهداً للقول الذي نقله ابن رشد.

وما سأل عنه الأخ السائل فيما يتصل بزكاة أنواع العود الخشبي والعطورات وأمثالها مما لا ينضبط سعره، مثل السلع التي لا يستوردها سوى شخص واحد (وكيل) يحدد هو سعرها كيف شاء، مثل بعض الموديلات في الملابس، أو بعض السيارات وأمثالها مما لا يمكن تحديد قيمته، إذ لا يوجد له نظير، والمتاجر فيه يحدد سعره كما شاء، ولا يمكن لأحد أن يحدد سعراً له.

فعند البحث في الزكاة الواجبة فيه نجد أن لدينا سعر الشراء وسعر العرض ثمن البيع الحقيقي الذي لم يحصل، بينما تزيد السلع الأخرى برابع وهو القيمة.

ولا شك أن ثمن البيع مجهول، والإحالة عليه يترتب عليها تأخير الزكاة وإن كانت أعدل لأن الثمن إن زاد أو نقص فالزكاة نسبة منه فلا يظلم التاجر، ولا يهضم الفقير.

وقد نقل الشيخ القرضاوي في كتابه فقه الزكاة أن ابن عباس كان يفتي بالتربص ليزكي بالثمن الذي يبيع به وأحال إلى كتاب الأموال، وبالرجوع لكتاب الأموال وجدت أن قول ابن عباس كما يظهر في التربص في إخراج الزكاة لا في تقدير قيمتها كما لو كان التاجر عنده عرض ولا نقد لديه يزكي به.

وسعر الشراء معلوم ولا يترتب على الإحالة عليه تأخير للزكاة، ولكن الإحالة عليه فيه إجحاف إما بالتاجر أو مستحق الزكاة.

وإذا نظرنا إلى تقدير الزكاة بالقيمة المبني على قول عمر وفتوى ميمون بن مهران وغيرهم من فقهاء السلف نجد أن مقاربة للثمن الذي سيبيع به التاجر، فإن الأصل أن يتم البيع بسعر المثل غالباً كما هو معلوم إذا لا يبيع بدون إلا المضطر ولا بأكثر منه في الغالب فالثمن والقيمة متقاربتان.

ولذا فإن الأقرب في مثل حال الأخ السائل أن يقوم بتقدير زكاة إخراجها على أساس قيمة الشراء متى تأكد أن بيعه سيكون غالباً بأكثر منه.

ثم متى باع سلعته فإنه يقوم بإخراج زكاة ما زاد على قيمة الشراء من ثمنها، فمثلاً لو اشترى بخمسة آلاف فإنه عند حولان الحول يزكي على أساس سعر الخمسة آلاف ريال وزكاتها مائة وخمسة وعشرون ريالاً.

ثم يسجل ذلك عنده وبعد بيع سلعته ينظر إلى الشراء وليكن عشرة آلاف ريال وزكاتها مائتان وخمسون ريالاً فعليه بعد البيع إخراج مائة وخمسة وعشرين ريالاً فرق ما بين سعر الشراء وثمن البيع.

هذا كله في السلعة التي لا يمكن تحديد قيمتها لعدم النظير لها.

وهو اجتهاد قاربت فيه وأرجو أن تحصل براءة الذمة لمن عمل به، والكلام في الاستدلال له يحتمل بسطاً أكثر، ولعل في التعقيب عليه من الفقهاء ما يثري هذه المسألة، والله الموفق.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ