إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان وثنية تتخفى بمصطلحات غامضة
المجيب
د. محمد بن إبراهيم دودح
باحث علمي في هيئة الإعجاز العلمي في الكتاب والسنة
التاريخ الاثنين 28 ذو القعدة 1430 الموافق 16 نوفمبر 2009
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

الإسقاط النجمي أو Astral Projection هي حالة الوعي أثناء النوم، أي أن الجسد فقط يكون نائماً، بينما يكون عقلك في حالة يقظة تامة. ماذا يحدث خلال نوم الجسد؟ يعتقد المشتغلون بالإسقاط النجمي بوجود جسد أثيري أو جسم من الطاقة ينفصل عن الجسم المادي، حيث يبقى بقربه أثناء النوم.. ويكون هذان الجسمان متصلين بحبل فضي Silver Cord يربط بينهما. فما حكم الإسقاط النجمي؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله؛ وبعد:

هذا المصطلح الغامض الذي يُدْعَى في تجديد الفلسفات القديمة بالإسقاط النجمي Astral Projection ؛ يعني تحول الوعي إلى العالم النجمي السماوي الأسمى في معتقدهم باعتباره عندهم نتيجة لممارسة التأمل والاسترخاء والغياب الفكري عن العالم المحسوس Meditation ، فتهيم المخيلة أثناء اليقظة في مشاهد وأحداث تماثل رؤى النائم، وهم يفسرون هذه المشاعر بأنها ارتحال لجسم روحي بعيدا عن الجسد المحسوس باعتباره كيانا روحيا مستقلا يشابهه، ويمثل حقيقة الإنسان ونسمة الحياة ومصدر الإلهام في رؤى النائم وعند الأصفياء والنبهاء، وهو في معتقد المصريين القدماء يُمَثَّل بطائر يحلق حول جسد النائم حتى يستيقظ فيحل فيه ولا يفارقه إلا بالموت، وكل الديانات الوثنية تعتقد بحلول روح سامي بجسم فاني يمثلها هو في معتقدهم وسيط للإله المعبود حتى لو كان منحوتًا، وروح الإنسان الممثلة بطائر تطير إلى السماء حيث مسكن الأرواح السامي ومستقر الآلهة في معتقدهم، وهي لا تعود لجسدها سوى عند البعث للحساب ووزن أعماله التي سجلتها الروح طيلة حياته.

والروح الإلهية المصدر والمستقر والممثلة بطائر يمكنها الإخبار عن المستقبل كما اعتقد العرب القدماء بتطيير طائر، فإن طار جهة اليد اليمنى رمز القوة والغلبة وتحقق المُراد فالفأل حسن؛ وإلا دَلَّ على الشؤم، وكشف القرآن العلم بمعتقدات الأولين فخاطب العرب بناء على ما يعرفون في بيئتهم عند نزوله، فاستخدم تعبير "التَطَيُّر" نظيرًا للتشاؤم بوقوع المصائب، واستخدم تعبير "طائر" في حق المكابرين نظيرا للشؤم بسوء الخاتمة، وأعلن باستخدام تعبير (المَعِيَّة) تمثيلا أن نتيجة عمل كل إنسان لصيقة به مثل قيد لا ينفك عنه في عنقه، قال تعالى: "قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ" [يس:18-19]، وقال تعالى: "وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا. اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا" [الإسراء:13-14]، وأكَّدَ القرآن الكريم بالمثل بتعبير (العِنْدِيَّة) تمثيلا أن مصير كل إنسان مرهون بمشيئة العليم وحده بكل الخفايا، قال تعالى: "قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ" [النمل:47]، وقال تعالى: "فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" [الأعراف:131].

قال الفراء المتوفى سنة 207 هـ (رحمهم الله تعالى جميعا) في معاني القرآن (ج3ص95): وقوله: "قَالَ طَائِرُكُمْ عِندَ اللَّهِ..." هو بمنزلة قوله "قالوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ: أي لازم لكم؛ ما كانَ منْ خَيرٍ أو شرٍّ فهو في رقابكم لازم، وقد بيَّنَه في قوله::وَكُلَّ إنْسَانٍ ألْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ"، وقال الراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502 هـ في مفردات القرآن (ج2ص40):  قال تعالى: "إن تصبهم سيئة يطيروا" أي: يتشاءموا به، "ألا إنما طائركم عند الله" أي: شؤمهم؛ ما قد أعد الله لهم بسوء أعمالهم، وعلى ذلك قوله: "قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله"، و"قالوا طائركم معكم"، و"وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" أي عمله الذي طار عنه من خير وشر"، وقال الفيروزأبادي المتوفى سنة 817 هـ نقلا عن ابن عباس (رضي الله تعالى عنهم جميعا) في تنوير المقباس (ص398): "قَالُواْ اطيرنا بِكَ" تشاءمنا بك "وَبِمَن مَّعَكَ" من قومك؛ يعنون شدتنا من شؤمك وشؤم من آمن بك، (قَالَ) صالح (طَائِرُكُمْ) شدتكم ورخاؤكم (عِندَ الله) من عند الله "بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ" تختبرون بالشدة والرخاء"، وقال (ص460): (قَالُواْ) يعني الرسل (طَائِرُكُم) شدتكم وشؤمكم (مَّعَكُمْ) من الله بفعلكم (أَإِن ذُكِّرْتُم) أتشاءمتم بأن ذكرناكم وخوفناكم بالله "بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ" مشركون بالله.

وفي الفلسفات الشرقية ترتبط الروح بالجسد المحسوس برابط غير محسوس؛ سواء أثناء النوم أو جلسات التأمل طالما بقي الجسد حيا، وهذا الرابط يماثل الحبل السري الذي يمد الجنين بأسباب الحياة؛ ولذا ابتكروا له اسم الحبل الفضي Silver cord ، ولا تغادر الروح الجسد وتنقطع الصلة بينهما كليا إلا بالموت، والسماء في معتقدهم حيث آفاق النجوم عالم روحي طاهر بخلاف الأرض؛ العالم السفلي الكثيف، وإن كانت مركزا للكون حتى إن كافة الأجرام السماوية تدور حولها، واستمر هذا المعتقد عند الكنيسة حتى أثبت جاليليو بتلسكوبه البدائي في القرن السابع عشر أن أقمار المشتري تدور حوله وليس حول الأرض، ومع تقدم العلم تبين أن مادة كل الأجرام السماوية هي نفس مادة الأرض، وأن العالم السماوي كالأرضي  سواء يرجع لنفس الأصل وتحكمه نفس القوانين، ووحدة التكوين والتصميم Design شاهد عدل على وحدانية المُبدع القدير، وهي لب دعوة رسالات التوحيد التي طهرها الإسلام من الدخيل؛ بينما التفسيرات الفلسفية القديمة لا يمكن التحقق من صحتها بالتجربة العملية ولا تدخل تحت أي باب من أبواب العلوم التي تدرس حاليا في الجامعات كالطب والفلك والتي تُعنى ابتداء بالعالم المحسوس، والشائع كما هو متوارث في الديانات الشرقية مجرد افتراضات لم يقم عليه دليل، ناهيك على أن الممارسات المرتبطة بمعتقدات وثنية يصعب فصلها؛ كالقول في الطاوية بأن الذات العلية روح يسري وليس بائنا عن خلقه وكليهما سواء؛ وفي جلسات التأمل يقع التواصل وتستمد الطاقة والمعرفة، والقرآن الكريم لم يعترف بالشائع عن الروح من تلك التصورات، يقول العلي القدير: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا" [الإسراء:85]، فالممارسات إذن المستمدة من عقائد وثنية مخاطرة تستوجب الحرص الشديد لأن الأمر يتعلق بعقيدة التوحيد، فالبحث إذن في الإسلام في مسألة الروح غير مثمرة ومضيعة للوقت؛ لأنه يتعلق بمسألة غيبية لا يعلم بحقيقتها وكيفيتها إلا الله تعالى وحده؛ والله تعالى أعلم.

المراجع:

معاني القرآن ليحيى بن زياد الفراء المتوفى سنة 207هـ.

مفردات القرآن للراغب الأصفهاني المتوفى سنة 502 هـ.

تنوير المقباس المنسوب جمع أقوال ابن عباس فيه للفيروزأبادي المتوفى سنة 817 هـ.

الموسوعة البريطانية 2008: Encyclopaedia Britannica 2008 ، والإنترنت.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ