إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الفرق بين السماع والاستماع
المجيب
د. عمر بن عبد الله المقبل
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 20 ربيع الأول 1424 الموافق 21 مايو 2003
السؤال

فضيلة الشيخ: لماذا نفرق بين السماع والاستماع؟ هل هناك دليل على ذلك؟ فالمتبادر للذهن أن النبي – صلى الله عليه وسلم- استمع للدف، وهل نفينا للاستماع لاعتبار أنه تنقص بالنبي – صلى الله عليه وسلم- من دون دليل أم ماذا؟ فالأصل أن السماع هو الاستماع، جعلنا الله وإياكم والقائمين على هذا الموقع وخاصة فضيلة الشيخ العلامة سلمان العودة من العلماء الربانيين.

الجواب

إن سؤالك أخي الكريم تضمن مسألتين تداخلتا عندك – فيما يبدو لي-، ففي السؤال الأول: الفرق بين السماع والاستماع، وفي الثاني: مسألة سماع النبي – صلى الله عليه وسلم- للدف، فيقال يا محب، لا إشكال فيما تذكر- بحمد الله تعالى- فأما المسألة الأولى: فإن طائفة من العلماء يفرقون بين السماع والاستماع، فالاستماع في هذا المقام وهو المنهي عنه هو أن يصغي له إصغاء المتلذذ والمستطرب له، فهذا إنما يجوز عند طائفة من العلماء لمن أذن له فيه كالنساء والصبيان في الأعراس، أو عند قدوم الغائب ونحو ذلك مما جاءت الشريعة بالترخيص فيه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله- في "الاستقامة" (1/275): (يرخص للنساء في الغناء والضرب بالدف في الأفراح، مثل قدوم الغائب، وأيام الأعياد، بل يؤمرون بذلك في العرسات...). أ هـ.
بينما السماع الذي يعرض للإنسان بحيث يسمع أناساً أذن لهم في الغناء، كالنساء والصبيان في عرس مثلاً، ثم يصل صوته للشخص الذي لم يؤذن له بالسماع، كالرجال فإن الإنسان يؤمر بعدم الإصغاء والتلذذ بذلك، وأما مجرد وصول الصوت، فلا يؤمر الرجل بسد أذنيه، أو مغادرة مكان حفل العرس مثلاً؛ لأن النبي – صلى الله عليه وسلم- أذن لعائشة – رضي الله عنها- أن ترقى على ظهره لتستمع إلى غناء الحبشة انظر: ما رواه البخاري (950)، ومسلم (892)، من حديث عائشة – رضي الله عنها- ومعلوم أن النبي – صلى الله عليه وسلم-، كان يسمع له، ولكن لم يكن يستمع له، ولهذا لم يقر النبي – صلى الله عليه وسلم- أبا بكر – رضي الله عنه- على إنكاره على وصول هذا الصوت إلى بيت النبي – صلى الله عليه وسلم- بل قال: "دعهما يا أبا بكر: إن لكل قوم عيداً، وإن عيدنا هذا اليوم" رواه البخاري (3931)، ومسلم (892) من حديث عائشة – رضي الله عنها-، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى 11/565:(وليس في حديث الجاريتين أن النبي – صلى الله عليه وسلم-استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع، كما في الرؤية، فإنه إنما يتعلق بقصد الرؤية لا بما يحصل منها بغير الاختيار، وكذلك في اشتمام الطيب، إنما ينهى المحرم عن قصد الشم، فأما إذا شم ما لم يقصده فإنه لا شيء عليه، وكذلك في مباشرة المحرمات كالحواس الخمس من السمع، والبصر، والشم، والذوق، واللمس، إنما يتعلق الأمر والنهي من ذلك بما للعبد فيه قصد وعمل، وأما ما يحصل بغير اختياره فلا أمر فيه ولا نهي، وهذا مما وجه به الحديث الذي في السنن عن ابن عمر – رضي الله عنهما- أنه كان مع النبي – صلى الله عليه وسلم- فسمع صوت زمارة راع فعدل عن الطريق، وقال: هل تسمع؟ حتى انقطع الصوت، انظر ما رواه أبوداود (4924)، وابن ماجة (1901)، وأحمد في مسنده (4535) فإن من الناس من يقول بتقدير صحة هذا الحديث، لم يأمر ابن عمر – رضي الله عنهما- بسد أذنيه، فيجاب بأنه كان صغيراً، أو يجاب بأنه لم يكن يستمع وإنما كان يسمع، وهذا لا إثم فيه، وإنما النبي – صلى الله عليه وسلم- فعل ذلك طلباً للأفضل والأكمل، كمن اجتاز بطريق فسمع قوماً يتكلمون بكلام محرم فسد أذنيه؛ كيلا يسمعه فهذا حسن، ولو لم يسد أذنيه لم يأثم بذلك، اللهم إلا أن يكون في سماعه ضرر ديني لا يندفع إلا بالسد). ا هـ.
وقال في موضع آخر 29/552: (غناء الإماء الذي يسمعه الرجل، قد كان الصحابة –رضي الله عنهم- يسمعونه في العرسات ويقول الإمام مالك: إذا دعي إلى وليمة فوجد فيها دفاً، فلا أرى أن يرجع (فتح الباري لابن رجب 8/437)، وقال ابن رجب في فتح الباري (8/434)، فكذلك الغناء يرخص فيه للنساء في أيام السرور، وإن سمع ذلك الرجال تبعاً). أ هـ.
والذي يظهر لي من خلال السنة، أن ضرب الدف حتى للرجال فيه شيء من السعة إذا وجدت مناسبة، كقدوم غائب ونحوه، كما في حديث الناذرة الذي أشرت له في سؤالك، وبهذا التفصيل أرجو أن تكون المسألة الثانية اتضحت، والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ