إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان تنزيل الأحاديث على الوقائع والأشخاص
المجيب
د. فهد بن عبدالرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاربعاء 27 ربيع الأول 1424 الموافق 28 مايو 2003
السؤال

جزاكم الله خيراً على ما تقدمونه للإسلام والمسلمين، فقد قرأت في صحيح مسلم بعض الأحاديث التي تتكلم عن واقعنا اليوم المرير المؤلم.
ومن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم –: "منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم"، شهد على ذلك لحم أبي هريرة – رضي الله عنه - ودمه، وقد قرأت في شرح هذا الحديث أن بلاد العراق سوف تحتل وقد احتلت بالفعل، وقد أصابني الحزن الشديد والإحباط عند قراءتي لهذا الحديث، حيث استنتجت أن كلاً من مصر والشام سوف تحتل أيضاً، أرجو أن تفيدوني حول هذا الموضوع، وجزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن هذا السؤال يحتاج منا إلى بيان ما يلي:
أولاً: أن تنزيل أمثال هذه الأحاديث؛ وهي الأحاديث الواردة في الفتن وأشراط الساعة تنزيلها على حوادث بعينها أو أشخاص بأعيانهم فيه خطورة، حيث لا يمكن الجزم بذلك.
ثانياً: أن الانشغال بهذا التنزيل لا حاجة إليه، ولا فائدة منه، بل ربما جر إلى التعجل في أمور قد كان للمسلم فيها أناة.
وقد تأملت أمثال هذه الأحاديث فلم أجد فيها طلب التحري والبحث عنها، بل الظاهر أنها إذا وقعت تبينت، وعرف حينها من كان على علم بما ورد فيها أن تلك هي التي حدث عنها النبي – صلى الله عليه وسلم –، لقد ورد في الدجال أحاديث في التحذير منه، ولكن ليس فيها تحري خروجه، والاجتهاد في تنزيل صفاته على أحد بعينه، بل الظاهر أنه إذا خرج تبين للمؤمن أنه الدجال، حتى قد ثبت في أكثر من حديث أنه مكتوب بين عينية كافر، يقرؤها كل مؤمن حتى لو كان أمياً لا يعرف القراءة انظر مثلاً ما رواه البخاري (7131)، ومسلم (2933)، من حديث أنس – رضي الله عنه-، مع أن هذا التحذير إنما ورد في الدجال، ولم يرد في غيره مثله، فلا ينبغي الاشتغال بمثل هذا التنزيل، فلربما شغل عما هو أهم.
ثالثاً: مما يبين خطأ التنزيل المشار إليه وخطورته أن السائلة حين نَّزلت حديث أبي هريرة – رضي الله عنه – الذي في مسلم (2896) على الواقع المعين وهو حالة العراق، واستنتجت شيئاً آخر هو احتلال الشام فأعقبها حزناً شديداً، ولم يكن بها حاجة إلى ذلك، إذ الجزم بهذا لا يستند إلى منهج صحيح دال عليه .
رابعاً: أن تنزيل مثل هذه الأحاديث إن ادعى أحد تحققه في هذا الزمن فقد وجد في الأزمان المتقدمة ما يشبه ذلك، وربما وجد من الناس من ظن تحقيق الحديث فيها ثم تبين بعد خلاف ذلك. وربما أتى أيضاً في أزمان لاحقة ما يظن تحقق الحديث فيه إلى أن تحقق تماماً، وانظري في شرح الحديث، فقد قال النووي (مسلم بشرح النووي 18/20): وهذا قد وجد في زماننا في العراق وهو الآن موجود (والنووي قد توفي عام 676هـ) وقال القنوجي (من علماء القرن الماضي ) في السراج الوهاج (11/368) بعدما نقل كلام النووي: وقد وجد ذلك كله في هذا الزمان الحاضر في العراق والشام ومصر واستولى الروم - يعني النصارى- على أكثر البلاد. أ.هـ.
مثال ذلك ما سألت عنه الأخت، فالاحتلال للعراق والشام قد حدث في حملات الاستعمار الشاملة لكثير من بلاد الإسلام بعد سقوط الخلافة، كما أشار صديق حسن القنوجي آنفاً.
ومن الأمثلة الخطيرة ما مرّ في التاريخ من دعاوي المهدي، والتي قد يكون المدعي فيها وقع في لبس حتى مع نفسه، ثم تبين بعد ذلك أنه ليس المهدي الوارد في الأحاديث، وهذا مما تتضح به خطورة تنزيل مثل هذه الأحاديث.
خامساً: أن تفسير الحديث باحتلال العراق والشام قول من عدة أقوال في تفسير الحديث وشرحه، فقد ذكر من شرحه أن من معانيه أن يسلم من كان في العراق والشام من الكفار الذين كانوا يؤدون الجزية فتسقط عنهم الجزية، وقيل: إنه تقوى شوكتهم فيمنعون الجزية، ويمكن مراجعة شرح الحديث في المصادر السابقة، وقد أشرت في محاضرة ولعلها تنزل قريباً في الإنترنت بعنوان (الاعتماد على تواطئ الرؤى ) إلى شيء من هذه المعاني والله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ