إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان التصويت لشخصية محمد عليه الصلاة والسلام
المجيب
أ.د. سعود بن عبدالله الفنيسان
عميد كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية سابقاً
التاريخ السبت 22 صفر 1431 الموافق 06 فبراير 2010
السؤال

هل يجوز المشاركة في التصويت الذي يجريه بعض كبار المواقع العالمية الأجنبية على شخصيات تاريخية مختلفة الدين والمذهب العقدي والسياسي، ومن ضمنها شخصية النبي صلى الله عليه وسلم؛ وذلك بغرض نصرته، وإيجاد مدخل لغير المسلمين للتعرف أكثر عن تلك الشخصية، خاصة إذا احتلت مركزا أوليًّا في التصويت؟ وهل يجوز نشر مثل تلك المواضيع بين المسلمين؟ جزاكم الله خيراً.

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

التصويت طريقة من طرق الانتخاب لاختيار شخص أو رأي. وفي (المعجم الوسيط): (صوَّت له: أيده بإعطائه صوته في الانتخاب) والتصويت يكون لشخص من بين عدة أشخاص عادة يكونون متماثلين أو متقاربين فيما قدموه ويقدمونه للناس عنهما، واختلفت أعمالهم ودياناتهم ونحلهم ومذاهبهم، كما يكون التصويت على كل ما يطرح من أفكار ومعتقدات صحيحة أو سقيمة، فهل رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم يماثله -أو يدانيه في الفضل والمنزلة وما جاء به من ربه لهداية البشرية- أحد!!؟

إن جميع أعماله وحركاته وسكناته بصفته بشراً لا يدانيه أحد!! تقول خديجة بنت خويلد عنه وقبل أن تسلم وقد عرفته عن قرب: "كلا.. والله لا يخزيك أبداً إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". قولوا لي بربكم هل عرفتم أحداً من البشر اجتمعت فيه هذه الصفات غير محمد سيد البشرية!! هل يدانيه في أخلاقه وأعماله البشرية: غاندي. ودلال نهوا.. وجيفارا.. وما ندلا.. وجورج بوش.. وأوباما.. إلخ.

إن أعظم ما ذكر عن "واشنطن" محرر أمريكا الذي نسبت المدينة باسمه، ووضع تمثال الحرية –أنه كان ماراً ذات يوم في بعض شوارع المدينة- التي سميت باسمه، فرأى بعض الجنود يحاولون إبعاد حجر عن الطريق ويعجزون عنه، والضابط واقف على رؤوسهم لم يساعدهم، فقال له (واشنطن): ساعدهم على حمله فامتنع، فألقى (واشنطن) رداءه وساعدهم على حمله، ثم قال لهم: كلما احتجتم إلى مساعدة فاسألوا عن دار (واشنطن).. نعم إن هذه خصلة جيدة وموقف نبيل يشكر عليه. ولكن أين هذا مما عمله عمر بن الخطاب -وهو الخليفة- أثناء تفقده أحوال الرعية، إذ رأى ذات ليلة امرأة حاملاً على وشك الولادة وليس لها من يساعدها، فعاد إلى بيته وأخذ زوجته وسارا معاً في جنح الظلام وهو يحمل الطعام وزوجته تحمل الثياب وما تحتاجه المرأة عند الولادة.. فقام عمر -وهو الخليفة- يحادث زوج المرأة وينفخ بفيه النار ليضع له الطعام، وقامت زوجة عمر –وهي سيدة الدولة الأولى بالتعبير المعاصر اليوم- قامت مقام القابلة للمرأة الإعرابية، ولقد قال عمر يوما مؤكداً دور الحرية والعدل: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا". أين مثل سمو هذه النفس في نزعتها الإنسانية التي بلغت ما لم يبلغه رئيس دولة على وجه الأرض؟!

لقد كان عمر وأمثال عمر حسنة من حسنات محمد بن عبد الله في جميع شمائله وكريم أخلاقه. ألم يأت للتأكيد على جميع الأخلاق الإنسانية في الأرض ويزيد عليها. ها هو يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ويقول عنه رب العالمين "وإنك لعلى خلق عظيم" هل يمكن مقارنته صلى الله عليه وسلم –بغيره- حتى يطرح اسمه الشريف للمقارنة والاختيار!! أتصح مقارنة الذهب بالخشب، والجليل بالحقير، والكبير بالصغير؟!

ألم تر أن السيف ينقص قدره           ***            إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

إن الهرولة بالتصويت بالمفاضلة والاختيار بين النبي محمد وبين من يسمون عظماء بدعوى نصرته، وبأمل أن يتعرف غير المسلم على سيرته -لو فاز على غيره- إن هذه دعوى باطلة ووسيلة خبيثة تنزع عنه الرسالة والنبوة –في نظر واضعيها- وتدعو إلى مساواته بمن هم دونه من الكفرة والفجرة. ولئن جاز أن يسمى بعض المنكرين من المسلمين وغيرهم "عباقرة" فلا يجوز أن يطلق على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه "عبقري" وإن كان قد أتى بما لم يأت به العباقرة من العلم والكلم والحكمة والعدل والرحمة، ومن يريد التعرف على دعوته ورسالته –من غير المسلمين- يستطيع ذلك بكل وسائل التبليغ والاتصال قبل بدعة التصويت هذه أو بعدها. وما أفادت الرحلات المكوكية التي قام ويقوم بها المستشرقون الغربيون إلى بلاد المسلمين!؟ لم تزد إلا تشكيكاً لنا وتبشيراً بأديانهم ومذاهبهم بين المسلمين.. ولله در محمد البوصيري (ت694) هـ عندما قال:

إن أنكروا فضل النبي فإنما              ***    أرخوا على ضوء النهار سدولا

الله أكبر إن دين محمد                  ***    وكتابه أقوى وأقوم قيلا

طلعت به شمس الهداية للورى          ***    وأبى لها وصف الكمال أفولا

والحق أبلج في شريعته التي              ***    جمعت فروعا للهدى وأحولا

لا تذكر الكتب السوالف عنده         ***    طلع الصباح فأطفئ القنديلا

هذا ما قاله بعض الشعراء قبل سبعمائة سنة. فيا ترى ماذا سيقول لو اطلع على عصرنا وظاهرة التصويت هذه!؟ والله المستعان.

 

 


إرسال إلى صديق طباعة حفظ