إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل يشترط وجود مستمع عند قراءة القرآن؟
المجيب
د. إسماعيل محمد عبد الرحمن
أستاذ أصول الفقه المشارك بجامعتي الأزهر الشريف والملك سعود بالرياض
التاريخ الاربعاء 13 محرم 1431 الموافق 30 ديسمبر 2009
السؤال

هل يصح قول بعضهم: لا يجوز ترك المذياع أو التلفاز يقرأ القرآن في المنزل أو الدكان دون وجود مستمع له؟

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

اشتراط وجود مستمع لقراءة القرآن لم يقله أحد من أهل العلم، أو أنهم لم يقفوا على نص يجوز هذا الفعل المستحدث فيكون بدعة  أو حراما، كما هو دأب من قلت بضاعتهم في الفقه.

ولذا فإنا نرد عليهم  طالبين من المولى عز وجل أن يوفقنا وإياهم لما يحبه ويرضاه، وأن يجنبنا الزلل والفتن ما ظهر منها وما بطن.

إذا تقرر ذلك فإنا نبين عدم صحة ما ذهبوا من وجوه عدة منها ما يلي:

الوجه الأول: قوله تعالى: "وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون" في هذه الآية الكريمة يأمرنا الله جل وعلا عند قراءة القرآن سواء أكان في الصلاة أم في غيرها -على الراجح عندنا- بالاستماع والإنصات.

وقد تكون هذه الآية دليلا للمانعين لقراءة القرآن من المذياع أو التلفاز دون وجود مستمع، وهذا استدلال في غير موضعه، لأن الله تعالى أمرنا عند سماع تلاوة القرآن بالاستماع والإنصات، ولم يأمرنا جل وعلا بإحضار مستمع لمن أراد قراءة القرآن.

وفرق بين الأمرين: لأن الأول وهو الاستماع والإنصات مقدور عليه وليس فيه مشقة، ولا يحتاج من الإنسان إلا مجاهدة النفس والشيطان بالإصغاء  والإنصات والتدبر.

أما الثاني وهو اشتراط وجود مستمع عند القراءة، فغير مقدور لكل قارئ، مما يسبب له مشقة وحرجا شديدا ،والدين يسر والحرج فيه مرفوع.

الوجه الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تجعلوا بيوتكم مقابر إن الشيطان ينفر من البيت الذي تقرأ فيه سورة البقرة" رواه مسلم.

وهذا حديث صحيح صريح في إبطال هذه الفتوى ،لأن النبي صلى الله عليه وسلم بنى الفعل (تقرأ) للمجهول، ولم يحدد لنا صلى الله عليه وسلم من القارئ؟ هل هو رب البيت أم زوجه أم ولده؟ أم هو المذياع أم التلفاز؟ فهو عام في أي قارئ لهذه السورة، ولا يجوز تخصيصه بغير دليل، وكأني بالنبي صلى الله عليه وسلم يريد منا أن نحصن بيوتنا بقراءة البقرة أيا كان القارئ حتي ولو كان  مذياعا أو تلفازا .

الوجه الثالث: وهو دليل عقلي مفاده: أنكم تقرون بجواز قراءة الإنسان دون وجود مستمع، لأنه الأصل في القراءة لما ثبت في الكتاب والسنة من طلب قراءة القرآن إيجابا أو ندبا دون اشتراط وجود مستمع.

فلمٌ لا تقرون قراءة المذياع مع عدم وجود مستمع؟ ولا فارق بينهما، فالقياس هنا لا ينكره إلا مكابر.

الوجه الرابع: أنا لا نسلم لكم أنه لا يوجد مستمع لقراءة القرآن من المذياع أو التلفاز أو الإنسان، فقد أثبت القرآن الكريم والسنة المطهرة حضور مستمعين  للقرآن من الجن والملائكة، ومن ذلك قوله تعالى: "قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا".

وحديث أسيد بن حضير رضى الله عنه عندما كان يقرأ من الليل سورة البقرة، وجالت فرسه مرات ورفع رأسه إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، وفي الصباح أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له صلى الله عليه وسلم: وتدري ما ذاك؟ قال لا، قال صلى الله عليه وسلم: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم (رواه البخاري).

وختاما فإني أرى أن هذه الفتوى تجعل بيوتنا مسكنا للشياطين، ومخالفة لما ورد في الشريعة من نصوص وأحكام... والله تعالى أعلى وأعلم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ