إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان لا زلت أبحث عن جواب هذه التساؤلات؟
المجيب
خالد بن عبد العزيز السيف
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التاريخ الاحد 12 ربيع الثاني 1431 الموافق 28 مارس 2010
السؤال

لماذا يقول المسلمون: إنهم يعبدون الله فقط لا شريك له.. ومأمورون باتباع كل ما يقوله الرسول محمد، ويبالغون في حبِّه لحد التقديس.. لحد يجعلهم يمدحونه ولا يمدحون الله؟ إذا ذكر تبادروا في قول: عليه الصلاة والسلام، ولا يقولون شيئًا إذا قيل الله، ويضعون حدودًا للتعامل مع غيرهم، ويدَّعون أن الله يوفقهم وحدهم في حال أن الدول المتقدمة ليست مسلمة أغلبها، بل بالعكس كلما بعد الإنسان عن الدين كلما أصبح أكثر عبقرية.. هذه أمور تجول في ذهني، أنا أرى الإسلام هو الدين المثالي في عقيدة أن لا إله إلا الله، وأن الله لا نراه ولا نسمعه، ولكنه يرانا ويسمعنا، لكن هناك أمورًا تبعدني عنه لا أستحضرها.. منها مثلا: أنهم يقبلون حجرًا، ويدعون أنهم الأمثل في المعاملة، وأن ذنوب المسلمين ستذهب للنصارى واليهود في حديث عندهم، بالرغم من أن القرآن يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى.. أرجو أن تفكوا التباسي، وتوضحوا لي صورة الإسلام بكامل جوانبها..

الجواب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

فإن رفع منزلة النبي صلى الله عليه وسلم من تعظيم الله، ولو لم يكن مرسلاً من عند الله لم يأمر الله بتعظيمه وقد قال سبحانه وتعالى: "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم" [آل عمران:31] وقد قرن الله سبحانه وتعالى طاعته بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث قال: "يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" [النساء: 59] وقال تعالى أيضاً: "قل أطيعوا الله ورسوله فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين" [آل عمرا:32] وتعظيم الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعني عدم تعظيم الله سبحانه وتعالى، ولو تأمل السائل في بعض الشعائر لوجد أن المسلم يعظم الله في حياته وفي عبادته كما أمر الله سبحانه وتعالى أكثر مما يعظم الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن المسلم يصلي لله سبحانه وتعالى خمس صلوات واجبة في كل يوم، وفي كل هذه الصلوات فإنه مأمور وجوباً بتعظيم الله في أذكار الصلاة فهو يكبر الله في كل ركوع وسجود وقيام، ويعظم الله في الركوع بقوله سبحان ربي العظيم، ويحمد الله في الرفع من الركوع، ويسبح الله الأعلى في السجود، هذا في الركوع والسجود، غير أنه مأمور بقراءة الفاتحة في كل ركعة والتي هي مجمع المحامد والتعظيم لله سبحانه وتعالى، وهذا كله على جهة الوجوب، أما الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في غير الصلاة فهي سنة وليست واجبة، وهي أيضاً دعاء بأن الله يصلي ويسلم على رسوله فهي مربوطة بالله سبحانه وتعالى، هذا مثال فقط على أن المسلم يعظم الله في عبادته ودعائه أكثر مما يثني على الرسول صلى الله عليه وسلم، والأمثلة في ذلك كثيرة.

أما قول السائلة إن المسلمين يضعون حدوداً للتعامل مع غيرهم فهو مقيد في بعض الأحوال وليس عاماً، وهذا شيء طبيعي في كل الديانات في النصرانية واليهودية وحتى الديانات الشركية، فأهل الكتاب مثلاً لا يجيزون الزواج من المسلمين كما هو دينهم بغض النظر عن غير الملتزمين بالدين منهم، وأيضاً لا يولون المسلمين المراكز الحساسة بل يمارسون عليهم تمييزا عنصريا ضدهم، وبمنعهم من الحريات المشروعة التي يكفلها لهم القانون، كما يحارب الحجاب في فرنسا، ويمنع بناء المآذن في بعض الدول الأوروبية،  والأمثلة في ذلك كثيرة لا يستدعي المقام ذكرها، وكل هذا نوع من التعامل السلبي ضد المسلمين.

وأما قول السائلة "إن المسلمين يقولون إن الله يوفقهم وحدهم.. وأنه كلما بعد الإنسان عن الدين أصبح أكثر عبقرية " فهذا لا يقوله المسلمون، وكون أحد من المسلمين يقوله لا يعني أنه الناطق الرسمي باسم المسلمين، فما يعتقده المسلمون في دينهم أن الحياة لها سنن كونية من أخذ بهذه السنن وصل إلى مبتغاه، ومن قصر في الأخذ بها فاته من الدنيا بقدر تقصيره بهذه السنن، فجميع شعوب الأرض مسلمهم وكافرهم لا يمكن أن يصل إلى الحضارة إلا بالأخذ بأسبابها، وكون الإنسان كلما ابتعد عن الدين صار أكثر عبقرية كلامًا فيه مغالطة كبيرة، فهناك من الشعوب اللادينية ولا تعرف الدين وهي شعوب في أقصى درجة التخلف والفقر كحال كثير من الشعوب  الأفريقية، وبعض الدول الآسيوية، وهناك من الدول من هي دول دينية كدولة إسرائيل والتي مسماها ديني صريح والتي هي أكثر تديناً من كثير من الدول العربية وتتحكم فيها الأحزاب الدينية بشكل كبير وهي دول أكثر حضارة وقوة من كل الدول الإسلامية، فالحضارة والدين والتخلف لها أسباب لا علاقة لها بكون الإنسان متديناً أو غير متدين. وكون المسلمون يعتقدون أنهم الأمثل في المعاملة إنما هو القصد ما جاء في الشريعة الإسلامية من معاملة الآخر لا كما يفعله كثير من المسلمين، فإن الأصل ما أمر به الشرع لا ما تجاوز به الناس الشرع.

وأما استشكال السائلة بتقبيل الحجر الأسود فهو تقبيل جزء من بيت الله، وتقبيله ليس لأنه حجر، وإنما اتباعا للنبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال عمر رضي الله عنه عن الحجر الأسود: "والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك" رواه مسلم.

وأما قول السائلة إن المسلمين يقولون إن ذنوب المسلمين تذهب إلى اليهود والنصارى فهذا غير صحيح، فكل إنسان يتحمل أوزاره، والله سبحانه وتعالى يقول: "كل نفس بما كسبت رهينة" [المدثر:38].

والملاحظ فيما ذكرته السائلة في عموم السؤال أن السائلة تخلط بين ما ذكر في القرآن وجاء في السنة الصحيحة، وبين ما يعمله المسلمون أو يقولونه، وهذا خطأ، فإن الإنسان مأمور بالنظر في الكتاب والسنة، وهي منبع التشريع، وإليها المرجع في النزاع كما قال الله سبحانه وتعالى: "فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلاً" [النساء:59] وأما تطبيق الناس وفهمهم فهو غير ملزم على الإسلام كما جاء في الكتاب وصحيح السنة، فإن بعض الناس قد يخطئ في فهم الإسلام، والإسلام مما يقوله براء.

والله أعلم..


إرسال إلى صديق طباعة حفظ