إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان الرقية أم الصبر؟
المجيب
د.علي بن عبدالله الجمعة
رئيس قسم السنة وعلومها بجامعة القصيم سابقا
التاريخ الاثنين 25 ربيع الأول 1424 الموافق 26 مايو 2003
السؤال

أعمل طبيباً، أصبت بدوخة منذ ثلاث سنوات مستمرة معي، أجريت فحوصات طبية فلم أجد سبباً، قال لي صديق يعالج بالقرآن إنه مس من الشيطان، علماً أنني أحفظ القرآن حفظاً جيداً، وأحفظه لغيري، تزيد علي الدوخة في صلوات الجماعة، علماً بأنني أحافظ على الصلوات الخمس بالمسجد، وأحب أن أسأل:
هل الدعاء وحده يكفي؟ وهل يتعارض مع الصبر والرضا بقضاء الله؟
كيف أرقي نفسي أم أجعل غيري يرقيني.
كيف أكون فعلاً من الصابرين الذين يوفون أجورهم بغير حساب؟
ألا ترد قراءتي للقرآن كيد أي شيطان عني؟ أم هو ابتلاء من الله وعلي الصبر؟
هل ترك التداوي فيه مخالفة شرعية؟ (علماً أنني أجريت كثيراً من الفحوصات ولم أجد شيئاً، وأفكر في ترك المتابعة الطبية بعد أن سئمت منها).
هل كتمان الأمر وقصر الشكوى على الله فقط فيها مخالفة شرعية؟
هذه الدوخة تزيد عندي عند فعل الطاعات فماذا أفعل؟
هل التداوي أفضل أم تركه والصبر أفضل؟
هل المعاصي التي نرتكبها أحياناً تكون سببا؟
هل هناك كتب تنصحني بقراءتها في هذا الأمر؟.

الجواب

بسم الله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
يذكر السائل أنه تصيبه دوخة عند الصلاة، وعندما يمارس الطاعات، مع أنه حافظ للقرآن، ويحفظه لغيره، فعولج كثيراً عند الأطباء ولم يحصل على نتيجة، وأنه قيل له إن بك مساً، فجوابنا ما يلي:
إن تلبس الجن بالإنس حق لامرية فيه، وقد ذكر في الكتاب والسنة، ومن ذلك قول الله تعال: "الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ" [البقرة: من الآية275]، ويقرأ على المصاب القرآن فيخرج الجني بإذن الله، وإخراجه يحتاج إلى قارئ مخلص لله، مستعين به، ثابت الجنان، ذي شخصية قوية، وللإنسان أن يقرأ على نفسه فينفث في يديه ثم يمررهما على جميع جسده، أو يقرأ عليه غيره، كما رقى جبريل النبي – صلى الله عليه وسلم – كما عند مسلم في صحيحه (2185، 2186)، من حديث أبي سعيد وعائشة – رضي الله عنهما- وكره بعضهم أن يطلب المصاب القراءة من غيره، لما جاء عن النبي – صلى الله عليه وسلم – أن من صفات الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب "الذين لا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتون، وعلى ربهم يتوكلون"رواه البخاري (5705)، ومسلم (220)، من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما- وكما يرفع البلاء بالقرآن، يرفع أيضاً بالدعاء، واللجوء إلى الله عز وجل والتضرع إليه، والرغبة إليه، والإلحاح عليه بقلب حاضر مقبل على ربه جل وعلا، محسن الظن به، مع انتفاء الموانع، وتحين أوقات الإجابة، ووجود أسبابها، فإنه حري أن يرفع البلاء بذلك بإذن الله، والتداوي بالعلاجات الطبية والدعاء لكشف الضر ورفع البلاء لا يتعارضان مع الصبر والرضا بالقضاء والقدر، فإن النبي – صلى الله عليه وسلم – أمرنا بالتداوي بقوله – صلى الله عليه وسلم – "تداووا عباد الله، فإن الله سبحانه لم يضع داء إلا وضع معه شفاء" رواه أبو داود (3855)، وابن ماجة (3436) من حديث أسامة بن شريك – رضي الله عنه- ، وأمرنا ربنا جل وعلا بدعائه والتضرع إليه، ودعاؤنا له عبادة له، لأن في الدعاء إظهار الحاجة، والافتقار إليه جل وعلا، قال تعالى: "وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" [غافر: 60]، وهو الذي أمرنا بالصبر، ووعدنا بالجزاء عليه، قال تعالى: "وبشر الصابرين الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ" [البقرة: 155-156]، فالصبر هنا الموعود عليه الجزاء هو حبس النفس عن الجزع والتسخط، والرضا بالقضاء والقدر، مع فعل الأسباب الرافعة للبلاء أو المخففة منه، إذ إن كل ذلك بقضاء وقدر، وبهذا يكون المسلم من الصابرين الذين يوفون أجورهم بغير حساب، ويذكر السائل أنه عند قراءته للقرآن يحصل لديه تشويش وقلق يؤثر على مزاجه، فلا يرتاح لقراءة القرآن، نقول له: عليك أن تستعين بالله عز وجل وتكثر من قراءة القرآن، ولا تلتفت إلى وساس الشيطان وكيده، وعليك الصبر والاحتساب، فإن ذلك من الابتلاء، ويبتلى المرء على قدر إيمانه، وأكثر من الذكر فإن الشيطان ينخنس حتى يكون كالذباب، ثم اعلم يا أخي شفاك الله أنك مأجور، ويبتلى المرء على قدر إيمانه، ويسأل السائل ويقول: هل التداوي شرعي فأقول: إن التداوي شرعي، حيث أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – به لقوله – صلى الله عليه وسلم – "تداووا عباد الله"، وقال – صلى الله عليه وسلم – "ما أنزل الله داءًَ إلا قد أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله" رواه أحمد (3578)، وابن ماجة (3436)، من حديث ابن مسعود – رضي الله عنه-، والتداوي لا ينافي التوكل، فالتداوي فعل سبب لا يلزم تحقق المسبب، ولا يعلق عليه جزماً حصول الشفاء، والتداوي أفضل من ترك التداوي لأن الشفاء تحصل به الصحة والعافية، ويستطيع المصاب أن يقوم بوظائفه الشرعية، بخلاف ما إذا كان مريضاً، ويسأل السائل هل كتمان البلاء أفضل أو إعلانه أفضل؟ فالجواب: أن الذي يملك الضر والنفع هو الله عز وجل، ولكن يختلف الأمر باختلاف الدوافع، فإن كان رفع الشكوى تشكياً وتحسراً وعدم صبر فهو محرم ولا يجوز، لأن عرض الأمر على من لا يقدر على رفعه تحسر وظلم، ولأنه طلب للشفاء ورفع البلاء ممن لا يملكه ولا يقدر عليه، بالإضافة إلى أنه لوم لله على قضائه وقدره، وإن كان رفع الشكوى وعرض أوصاف المرض لطلب العلاج أو على الطبيب فهذا لا بأس به، حيث لا يتم التعرف على نوع المرض الذي يحدد به نوعية العلاج إلا بذلك، والواجب عليك يا أخي: أن تتضرع بالصبر وتتحلى به، فإنه حلية المؤمن، وإن عرض لك شيء يضايقك عند فعل الطاعات فإن ذلك من الشيطان فاستعذ بالله منه، والجأ إلى ربك، واعلم يا أخي أن كل ما أصابنا مما يكدر علينا حياتنا في أنفسنا أو أموالنا أو أولادنا أو أزواجنا أو صديقنا إنما هو بسبب ذنوبنا، وما كسبته أيدينا، قال تعالى: "وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير" [الشورى: 30]، وأنا أنصحك بقراءة الكتب التي تخص بالصبر والاحتساب، فمثلاً: الاستقامة لابن تيمية (2/271)، تكاليف القلب السليم / لمحمد العلي، الروح/ لابن القيم، زاد المريض والمبتلي لزهير الزميلي، الصبر الجميل لسليم الهلالي، صيد الخاطر لابن الجوزي، عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لابن القيم الجوزية، غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب للسفاريني، مدارج السالكين لابن القيم، وموارد الظمآن لدروس الزمان لعبد العزيز السلمان، وغير ذلك من الكتب، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ