إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل الفكر الصوفي بدعة؟
المجيب
د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التاريخ الخميس 25 ربيع الأول 1431 الموافق 11 مارس 2010
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

قرأت ما يُكتب حول الصوفية، حيث وُصفوا بأنهم أهل بدع وخروج عن السنة، وقرأت أيضا ما كتبَه الصوفية عن منهجهم، وهو الإحسان والزهد والتقوى والتجرد من سخط الله و... وقرأت بعض المناظرات بين الصوفية والسلفية حيث كلا الطرفين يرى الجهل في الآخر بالإتيان بالأدلة والبراهين.. وقرأت آراء كلا الطرفين في الموالد والتوسل والعشق الإلهي ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم والوجد والجذب... أرجو أن نستنير برأيكم في هذه التساؤلات... لدي بعض الأسئلة أرجو الإجابة عنها: 1. ما الفرق –بنظركم- بين السلفية والصوفية؟ 2. ما رأيكم بالتصوف والمتصوفين؟ والسلفية الوهابية؟ 3. هل المتصوفون من أهل البدع كما قال السلفيون؟ 4. هل التصوف أمر مطلوب شرعا، أي أنه من أصول الدين؟ 5. وهل يصح سلوك منهج الصوفية والسير على طريقتهم؟ 6. هل يوجد تصوف (مالكي – شافعي - حنبلي - حنفي)؟ أي أن أي شخص من المذاهب الأربعة يمكن أن يكون صوفيا؟ 7. صحيح أن الكل مجتهد فالكل يُصيب ويُخطئ لكن أيُّهما على حق؟ 8. كيف يمكن أن يكون لدينا فكر منفتح في هذه المسائل؟ أفتونا مأجورين..

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

الذي يبدو من السؤال، أن سائله في حيرة من تحديد المصيب من المخطئ في موضوع التصوف والسلفية.

هذه الحيرة تنشأ من عدم معرفة الميزان الذي توزن به الأمور المتعلقة بالدين؛ لمعرفة ما صح منها وما لم يصح.

لأجل هذا سأبدأ بوضع هذا الميزان:

إن المسلم يرجع في كل ما اختلف فيه إلى: الكتاب، والسنة، وفهم الصحابة وأهل القرون المفضلة الثلاثة.

فدليل الأول قوله تعالى: "وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله".

ودليل الثاني: "من يطع الرسول فقد أطاع الله".

ودليل الثالث قوله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي).

وقوله: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم).

فالأول لا يخالف فيه مسلم، والثاني لا يخالف فيه إلا مبتدع، والثالث مثله.

هذا الميزان فيصل بين أهل السنة والبدعة؛ إذ كل يدعي أنه على الكتاب والسنة، ثم يتأول ويحرف الكلم عن مواضعه. فإذا ما عرض على هذا الميزان تبين.

لذا ترى عامة أهل البدعة يسعون في إبطاله.

لكن كل تفسير لنصوص الكتاب والسنة لا يوافق ما كان عليه مجموع الصحابة، أو جمهورهم وعامتهم، فهو لا شك بدعة وخروج عن السبيل والسنة.

بعد هذا نأتي إلى موضوع التصوف والسلفية.. فنقول:

دعونا من هذه التسميات، هؤلاء الذين يقولون عن أنفسهم إنهم صوفية:

- هل هم على منهج الصحابة وعلى طريقتهم، أم لا؟.

وهؤلاء الذين يقولون عن أنفسهم إنهم سلفية:

- هل هم على منهج الصحابة وطريقتهم، أم لا؟.

كلهم ولا شك يقول إنه كذلك، لكن الشأن في تطابق ما هم عليه مع ما كان عليه الصحابة، فإن تطابقوا معهم صدقوا، وإلا فقد كذبوا.

والصحابة لهم منهج في كل قضايا الدين:

- منهج في الاعتقاد.

- منهج في العمل وفي العبادة.

- منهج في القول وفي الاختلاف.

- منهج في السلوك وتهذيب النفس والزهد.

فمن أصاب منهجهم بالكامل فهو منهم، وعلى طريقتهم، وهو على منهج النبوة، فإن خالفهم فقد خرج عن المنهج بقدر ما خالف.

وعامة هذه الفرق فيها موافقة ومخالفة لمذهب الصحابة؛ الذين هم السلف. وبقدر ما يوافقون فهم على السنة، وبقدر ما يخالفون فهم خارجون عن السنة.

والسلفية خصوصا ليست بفرقة ذات تشكيل هرمي؛ بل منهج، فأصحابه يدعون إلى منهج السلف من الصحابة وأهل القرون المفضلة، دون أن يكونوا فرقة، فما يرفعونه من شعار إتباع السلف الصالح في العلم والعمل، صحيح، وهم مصيبون في ذلك تماما، لكن هل هم ممتثلون تماما لذلك المنهج؟.

كلا، لا أحد يدعي الكمال، والامتثال لمنهج السلف كمال وشك.. فهؤلاء يسددون ويقاربون، يصيبون ويخطئون، وطريقتهم بيان الطريق الصحيح للدين، ودلالة الناس عليه، لا الادعاء أنهم بذواتهم على الحق وحدهم، بل القول إن الحق كله فيما كان عليه الصحابة، وما عداه فضلالة، وهذا صحيح ولا شك بدلالات النصوص الكثيرة.

أما عن التصوف والصوفية، فالذي هو معروف عند العارفين: أن التصوف فكر دخيل، له جذوره في الثقافات القديمة كلها، حاول أن يجد له موطئ قدم في بلاد الإسلام ونجح في ذلك في نهاية القرن الثاني..

حيث يقر المتصوفة: أن التصوف لم ينشأ كفرقة إلا في ذلك الزمن. وقبله لم يكن لهذا الفكر من أثر بين المسلمين إلا بعض الإشارات هنا وهناك، تبدت في حالات الزهد الغالية، والاعتزال، والمبالغة في التعبد والخوف.

وقد بدأت التصوف بأفكار ليست بذات صلة بالمبادئ الإسلامية، كالفناء عن الصفات البشرية والبقاء بالصفات الإلهية، والفناء عن الذات البشرية، والبقاء بالذات الإلهية.

وكان هذا المبدأ هو المكون الرئيس للفكر الصوفي.

هذا والدارسون للتصوف على مذهبين:

الأول: مذهب يرى التصوف أجنبيا عن الإسلام في: أصله، ونشأته، وأفكاره.

وعليه: فهو فكر منحرف كله.      

وهذا رأي فريق يرفض التصوف جملة وتفصيلا.

الثاني: مذهب يرى التصوف إسلاميا في: أصله، ونشأته، وأفكاره. دخل عليه الفلسفة لاحقا، فتلبس به.

وعليه: فمنه الإسلامي (= المعتدل، السني)، ومنه الفلسفي (= الغالي، البدعي).

وهذا رأي فريقين:

- فريق من المتصوفة.

- وفريق من غير المتصوفة، يعلن قبوله بما يراه: إسلاميا، معتدلا، سنيا. ويدعو إليه.

فهل يوجد فريق يعلن أن: التصوف كله حسن: أوله، وآخره، بدايته، ونهايته، وكل المنتسبين له؟.

نعم، هذا الفريق موجود، وهم الفريق الثاني من المتصوفة، الذين يرون كل ما في التصوف حسن، ليس فيه أي شيء غير ذلك، وهم الذين لم يعرف عنهم أي نقد لأي مسلك من مسالك الصوفية، بل صوبوها كلها، وقالوا: "الطريق إلى الله عدد أنفاس الخلائق".

من ذلك يتبين: أن المتصوفة وغير المتصوفة منقسمون حيال التصوف نفسه..؟!.

فمن المتصوفة من يقر بوجود فكر منحرف، خارج عن الإسلام، داخل المذهب الصوفي، لكنه يتبرأ منه، ويقول: إنه دخيل، طرأ لاحقا، فتلبس بالتصوف. ويعلن تمسكه بالكتاب والسنة.

وآخرون لا يقرون بشيء من ذلك.

ومن غير المتصوفة من يعتقد أن في التصوف جانبا معتدلا، سنيا، إسلاميا، يجب أن يعتنى به، وينمى.

وآخرون يرفضون هذا الرأي، ويعتقدون بطلانه.

فطائفتان متفقتان علما ونظرا، وإن كانتا مختلفتين عملا وتطبيقا.

وطائفتان مختلفتان علما ونظرا، وعملا وتطبيقا.

لكن هل ثمة مستند عند الفريقين؟.

من قال بالتصوف المعتدل، سواء من المتصوفة أو من غيرهم، فإنه استند إلى ما يلي:

1- نسبة التصوف إلى الصوف. والصوف لباس مشروع.

2- تعريف التصوف بأنه الزهد. والزهد مشروع.

3- تعريف التصوف بأنه خلق وسلوك. والخلق والسلوك مشروع.

4- الثناء على أئمة التصوف، وسلوكهم. بأنهم كانوا قمما في الزهد والسلوك.

وأما من قال بأن التصوف فلسفي، ليس فيه اعتدال، فإنه استند إلى ما يلي:

1- إنكار نسبة التصوف إلى الصوف.

2- إنكار أن يكون موضوع التصوف هو الزهد.

3- القول بأن التصوف خلق، لكنه طريق خاص في الخلق.

4- التفريق بين التصوف والمنتسبين إليه في الحكم على التصوف.

وهذا موضع التحرير..!.

فمن ثبت دليله فقوله هو الحق، لا من بطل دليله..؟.

الدليل الأول: النسبة إلى الصوف.

قالوا: التصوف نسبة إلى الصوف، مشتق منه، وهذا ثابت من حيث اللغة، يقال: تصوف. إذا لبس الصوف. وتقمص، إذا لبس القميص. والصوف لباس الزهاد، والزهد موجود في الإسلام.

قيل: لا علاقة بين التصوف والصوف، والنسبة اللغوية وحدها لا تكفي لإثبات النسبة، والأدلة ما يلي:

1-لم يشتهر المتصوفة بلبس الصوف، وبهذا قال القشيري: "القوم لم يختصوا بلبس الصوف"، وأنكر أن يكون مشتقا من الصوف، فقال: "وليس يشهد لهذا الاسم من حيث العربية، قياس ولا اشتقاق، والأظهر فيه أنه كاللقب" [الرسالة القشيرية 2/550-551]، ومما يعطي هذا الرأي قيمة: أن أحدا من المتصوفة لم ينكره، ولم يرده، ولولا أنه يعبر عن الحقيقة ما سكتوا.

2- الهجويري كذلك أنكر النسبة إلى الصوف، ومنع أن يكون له اشتقاق لغوي.

3- المتتبع والدارس تعريفات المتصوفة الأولين، المؤسسين، منذ بداية التصوف، وحتى منتصف القرن الخامس (200-440هـ)، يلحظ خلوها من ذكر الصوف، إلا تعريفا يتيما أو تعريفين من بين حوالي ثمانين تعريفا، ذكرها القشيري في رسالته، ونيكلسون في بحث له، ينقلها من: تذكرة الأولياء للعطار، ونفحات الأنس للجامي، والرسالة للقشيري. [في التصوف الإسلامي وتاريخه ص28-41]، فلو كانت النسبة صحيحة، فلم أعرضوا عن ذكره في هذه التعريفات..؟!.

والحقيقة أنها كلمة يونانية، أصلها "سوفيا"، دليله توافق أصول الفكرتين "الصوفية" و "السوفية".

الدليل الثاني: التصوف هو الزهد.

قالوا: التصوف هو الزهد؛ فإن الصوفية لما رأوا إقبال الناس على الدنيا: آثروا الزهد فيها.

قيل: تفسير التصوف بالزهد، وتعريفه به، ليس له مستند، والأدلة تعارضه:

1- في تعريفات الأئمة المؤسسين للمذهب الصوفي: لا نجد ذكرا لكلمة "الزهد"، ومعلوم أن المعرّف لمصطلح ما، جديد غير معروف: يحرص كل الحرص، على أن يستل من اللغة الكلمة الأوفق، والأوضح، فإذا كان كذلك، فلم أعرضوا عن كلمة "الزهد"، واستعاضوا عنه بعبارات من قبيل: إيثار الله.. قلة الطعام.. الفقر..؟!.. هل غابت الكلمة عن قاموسهم ؟!، كلا، بل حاضرة، لكن لما لم يكن حقيقة التصوف هو الزهد: أعرضوا عنه.

2- ورد التصريح من الأئمة بأن التصوف ليس هو الزهد، قال السهروردي: "التصوف غير الفقر، والزهد غير الفقر، والتصوف غير الزهد، فالتصوف: اسم جامع لمعاني الفقر، ومعاني الزهد، مع مزيد أوصاف وإضافات، لا يكون بدونها الرجل صوفيا، وإن كان زاهدا فقيرا". [عوارف المعارف، ملحق بالإحياء 5/79]، فالتصوف لا يختص بالزهد، ولا الزهد هو التصوف، وهكذا قال: ابن الجوزي، نيكلسون، عبد الحليم محمود، سعاد الحكيم، محمد زكي إبراهيم.

فإذا لم يكن هو الزهد، فما هو إذن؟.. الجواب سيأتي فيما يلي:

الدليل الثالث: التصوف خلق وسلوك.

قالوا: التصوف أخلاق وسلوك، لتهذيب النفس، وتصفية الروح، والتخلص من الأخلاق السيئة.

قيل: نعم هو خلق وتخلق، لكن أي خلق، وأي تخلق..؟!.

هو خلق وتخلص خاص، كما فسره أئمة التصوف: النوري، والغزالي، وابن عربي، والجيلي، والقاشاني: "التخلق بأخلاق الله"، ليس هو التخلق المتبادر إلى الذهن، بل مشاكلة للصفات الإلهية.. وهل يمكن هذا.؟!.

قالوا: كلا، بل تخلق في حدود البشرية.

قيل: هذه دعوى، فكتب الصوفية طافحة، مليئة بإثبات أنه تخلق كامل، لا نقص فيه، حتى يضاهي الصفات الإلهية، سواء بسواء؛ ولذا قالوا: الفناء عن الصفات البشرية، والبقاء بالصفات الإلهية. أو الفناء عن البشرية، والبقاء بالإلهية. فالفناء هو لب الفكرة الصوفية، شهد بذلك الأئمة الأولون، ثم المصنفون منهم: الطوسي، والهجويري، وأبو المواهب الشاذلي.. ومن المعاصرين الدكتور أبو الوفا التفتازاني شيخ مشايخ الطرق الصوفية، والشيخ محمد زكي إبراهيم، شيخ العشيرة المحمدية..  فهل في الصحابة من يقول بالفناء؟!.

وهل الفناء عن الأوصاف البشرية، أو البشرية: توحيد. أم توحّد مع الأوصاف الإلهية، والذات الإلهية، حتى تتحدا، فتكون شيئا واحدا..؟!.

فهذه الحقيقة من البروز والظهور بحيث يعسر سترها، كما قال المستشرق الباحث في التصوف نيكلسون: "وتحول معنى التوحيد إلى وحدة الوجود، فحلت محل صورة الله الواحد، المنزه عن صفات المحدثات، صورةُ الوجود الواحد المطلق (الحق)، الظاهر في كل مظهر من مظاهر الخلق، المتجلي في صورة الصوفي عند فنائه عن نفسه في حال وجده، وهذه العقيدة مهما حاول الصوفية سترها: أساس التصوف وجوهره". [في التصوف الإسلامي وتاريخه ص73]، والعبارات في هذا المعنى، المثبتة لهذه الحقيقة أكثر من أن تحصى، سواء عن الأئمة أنفسهم: أولين، وآخرين. أو عن الكتاب المتخصصين في التصوف.

الدليل الرابع: أئمة التصوف فيهم من له قدم صدق في الإسلام.

قالوا: أين أنتم من الأئمة، المتقيدين بالكتاب والسنة، والذين أثنى عليهم الأئمة كابن تيمية، أليس الثناء عليهم ثناء على التصوف؟.

قيل: هذا هو موضع البحث والنظر..

فإن أكثر النزاع من هذه الحيثية؛ فإن الذين صححوا التصوف بنوا قولهم نظرا منهم إلى المنتسبين إلى التصوف، وما جاء من الثناء عليهم، خصوصا عن ابن تيمية. لكنهم لم ينظروا من جهة الفكرة نفسها، وهذا خطأ.. ومثله كمن صحح النصرانية؛ لأن فيهم قسيسين ورهبانا، وأنهم لا يستكبرون..!!.

والصواب: أن يفرق بين الفكرة والمنتسبين إليها. فليست كل أفعال المتصوفة صادرة عن الفكرة الصوفية، بل فيها ما هو صادر عن إتباع وتسنن، فهذا ينسب إلى الإسلام. وفيها ما هو صادر عن فكرة صوفية، معروفة من قديم، في الثقافات القديمة، فهذا ينسب إلى الصوفية..

أما نسبة كل ما يصدر عن الأئمة إلى التصوف، فمثل نسبة كل ما يصدر عن المسلمين إلى الإسلام..!!.

وبعد هذا العرض المفصل عن التصوف، أرى بأنه تضمن جوابا لكل الفقرات الواردة في السؤال..

فالتصوف والفكر الصوفي لا شك أنه بدعة، وأما المتصوفة فمنهم المبتدعة ولا شك، ومنهم من هو على خطأ ولا يوصف بالمبتدع، فالمبتدع هو من تبنى منهجا بدعيا، ليس من ركب خطأ وبدعة فحسب.

وكل من أخطأ في طلب الحق، فله من الأجر بقدر ما نوى وأخلص، سواء كان صوفيا أو سلفيا أو غير ذلك.

وليس التصوف هو الصورة الأصيلة للإسلام، بل صورة مضرة بالإسلام، مهما قيل عنه من محاسن، فإلى اليوم لم نجد طريقة واحدة من طرق الصوفية، يستطيع المرء أن يزعم أنها تمثل أو تقارب أو تداني طريقة السنة والنبوة والصحابة.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ