إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان عصمة الرسول – صلى الله عليه وسلم -
المجيب
د.مساعد بن سليمان الطيار
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين بالرياض
التاريخ الثلاثاء 03 ربيع الثاني 1424 الموافق 03 يونيو 2003
السؤال

فيما يتعلق بعصمة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، هل هو معصوم من الخطأ؟ أو معنى العصمة هنا أن الله عصمه من الناس -صلى الله عليه وسلم-، وإذا كان معصوماً من الخطأ صلوات ربي وسلامه عليه، فما هو التفسير الصحيح لحادثة الأعمى التي نزل فيها قول الله –تعالى- "عبس وتولى" وجزاكم الله خير ونفع بكم.

الجواب

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فإنَّ القول بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يقع منه خطأ ، مخالف لظاهر القرآن ؛ لأن الله سبحانه ـ الذي أرسله بالحق ، وهو أعلم به ـ قد عاتبه في غير ما آية ، ولا يكون العتاب إلا بسبب وقوع خطأ منه -صلى الله عليه وسلم- وقد يستعظم بعض الناس القول بهذا، زاعمًا أن ذلك ينقص من قدر النبي -صلى الله عليه وسلم- وليس الأمر كذلك؛ فحق الله أعظم ، والإيمان بكلامه الذي نقله الرسول -صلى الله عليه وسلم- أولى من هذا الزعم، ولو كان في هذه العتابات الإلهية له ما ينقص من قدره لما ذكرها الله –سبحانه- في حقِّ خليله محمد -صلى الله عليه وسلم- والمسلم مطالب بالأخذ بظاهر القرآن ، ومن تأول مثل هذه العتابات الإلهية فإنه سيقع في التحريف والتكذيب بخبر الله –سبحانه- وقد ذكرت في كتابي "تفسير جزء عمَّ" تعليقًا على قوله –تعالى- :"وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ" [الشرح: 2 ـ 3] ما يتعلق بأمر العصمة ، وهذا نصُّه : "قال : مجاهد من طريق ابن أبي نجيح : "ذنبك"، قال قتادة من طريق سعيد ومعمر: (كانت على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذنوب قد أثقلته، فغفرها الله له)، وكذا قال ابن زيد. وهذه مسألة تتعلق بالعصمة، وللناس فيها كلام كثير ، وأغلب الكلام فيها عقلي لا يعتمد على النصوص، وهذا النص صريح في وقوع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في شيء من الذنوب التي قد غفرها الله له ، ولكن لم يبيِّن الله نوع هذه الذنوب ، ولذا فلا تتعدى ما أجمله الله في هذه النصِّ، وقُلْ به تسلمْ .ولا تفترض مصطلحاً للعصمة من عقلك تحمل عليه أفعال الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فتدخل بذلك في التأويلات السمجة التي لا دليل عليها من الكتاب ولا السنة ؛ كما وقع من بعضهم في تأويل قوله –تعالى-: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر [الفتح : 2 ]، قال : ما تقدم : ذنب أبيك آدم ، وما تأخر: من ذنوب أمتك، وانظر الشبه بين هذا القول وبين قول النصارى في الخطيئة، فالله يقول: "ليغفر الله لك ما تقدم من ذنبك"، وهذا يقول هو ذنب غيره ! والله المستعان". واعلم أنَّ في الرسول جانبان : جانب بشري ، وجانب نبوي، أمّا الجانب البشري فهو فيه كالبشر: يحب ويكره ، ويرضى ويغضب ، ويأكل ويشرب، ويقوم وينام … إلخ، مع ما ميَّزه الله به في هذا الجانب في بعض الأشياء؛ كسلامة الصدر ، والقوة في النكاح، وعدم نوم القلب، وغيرها من الخصوصات التي تتعلق بالجانب البشري. ومن هذا الجانب قد يقع من النبي – صلى الله عليه وسلم - بعض الأخطاء التي يعاتبه الله عليها، ولك أن تنظر في جملة المعاتبات الإلهية للنبي – صلى الله عليه وسلم - ؛ كعتابه بشأن أسرى بدر، وعتابه بشأن زواجه من زينب – رضي الله عنها -، وعتابه في عبد الله بن أم مكتوم – رضي الله عنه - ، وغيرها ، وقد نصَّ الله على هذا الجانب في الرسل جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم ، ومن الآيات في ذلك : "قل سبحان ربي هل كنت إلاَّ بشراً رسولاً " [الإسراء : 93]، ومن الأحاديث قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو ما أسمع، من حق له أخيه شيئاً، فلا يأخذ، فإنما أقطع له من النار" (رواه البخاري (6967)، ومسلم (1713)من حديث أم سلمة –رضي الله عنها-. وتكمن العصمة في هذا الجانب في أنَّ الله يُنبِّه نبيه – صلى الله عليه وسلم - على ما وقع منه من خطأ ، وهذا ما لا يتأتَّى لأحد من البشر غيره ، فتأمله فإنه من جوانب العصمة المُغفلة . وأما الجانب النبوي، وهو جانب التبليغ ، فإنه لم يرد البتة أنَّ النبي – صلى الله عليه وسلم - خالف فيه أمر الله ؛ كأن يقول الله له: قل لعبادي يفعلوا كذا فلا يقول لهم ، أو يقول لهم خلاف هذا الأمر، وهذا لو وقع فإنه مخالف للنبوة، ولذا لما سُحِرَ النبي – صلى الله عليه وسلم - لم يُؤثِّر هذا السِّحْرُ في الجانب النبوي ، بل أثَّر في الجانب البشري انظر ما رواه البخاري (3268)، ومسلم (2189) من حديث عائشة – رضي الله عنها-، ومن ثَمَّ فجانب التبليغ في النبي – صلى الله عليه وسلم - معصوم ، ويدل على هذا الجانب قوله تعالى : "وما ينطق عن الهوى، إن هو إلاَّ وحي يوحى" [النجم: 3-4] الله أعلم.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ