إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان هل كلَّم الله محمداً كما كلَّم موسى عليهما الصلاة والسلام
المجيب
سليمان بن الحسن القـراري
التاريخ السبت 04 ربيع الثاني 1431 الموافق 20 مارس 2010
السؤال

هل كلَّم الله عز وجل النبي صلى الله عليه وسلم كما كلَّم موسى عليه الصلاة والسلام أم كان فقط وحياً عن طريق جبريل عليه السلام، أو بالرؤى المنامية؟

الجواب

بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والشكر له، كما يجب لجزيل نعمائه وكثير ألطافه، والصلاة والسلام على نبيّه ورسوله، محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه.

ذهب أكثر العلماء إلى أن المولى تعالى كلَّم نبيَّه صلى الله عليه وسلم من وراء حجاب يقظة، بدليل حديث الإسراء، الذي رواه شَرِيك بن عبد الله عن أنس بن مالك: "..حَتَّى جَاءَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى وَدَنَا لِلْجَبَّارِ رَبِّ الْعِزَّةِ فَتَدَلَّى حَتَّى كَانَ مِنْهُ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً عَلَى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ... الحديث" [رواه البخاري في الصحيح] وقد تكلم المحدثون في هذا الحديث كثيرا، بين ناقد، ومؤول، ومتوقف، حتى إن شريكا راوي الحديث لم يسلم من التجريح. والناقدون تمسَّكوا بقوله تعالى: "وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى  وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى" [النجم: 8-10] الضمائر عائدة إلى الأمين جبريل، لحديث مَسْرُوقٍ رضي الله عنه قال: "قُلْتُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَأَيْنَ قَوْلُهُ: "ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى" قَالَتْ ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ هَذِهِ الْمَرَّةَ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدَّ الْأُفُقَ" [رواه البخاري في الصحيح] وذهب الجمهور، إلى أن قوله تعالى: "فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى" لا يمنع -حديث مَسْرُوقٍ رضي الله عنه- من رجوع ضميره إلى المولى تعالى، فهو الذي أوحى إلى عبده النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وهذا ما ثبت في حديث الإسراء. 

والإشكال المطروح، لفظ الوحي في الموضعين: في الآية: "فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى" وفي الحديث: "فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ..." هل يجوز اعتباره تكليما من وراء حجاب، أم أنه مجرد إيحاء، فقوله تعالى: "وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاء" [الشورى: 51]  بيان لأقسام التكليم العام، القسم الأول: الوحي، وهنا الإيحاء، والقسم الثاني: التكليم الخاص، وهنا من وراء حجاب، والقسم الثالث: الوحي بواسطة إرسال الملك. وكأن لفظ التكليم الخاص -الذي هو التكليم من وراء حجاب- هو قسيم لفظ الوحي، فلا يُعد من أقسامه، مما يمنع إطلاق الوحي عليه. ونحن إذا دققنا النظر في النصوص القرآنية، لا نكاد نجد إطلاق لفظ الوحي على التكليم الخاص، ويمكن أن نلمس طرفا من ذلك في أخبار موسى عليه السلام، ففي مناسبات عديدة، كان يتلقى أوامر المولى تعالى وحيا، لا تكليما من وراء حجاب، كقوله تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ" [الأعراف: 117] وقوله تعالى: "وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى" [طه: 77] وقوله: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا" [الأعراف: 160] والعلة في ذلك تواجده بين قومه، كان مانعا من تلقي خطابه تعالى تكليما، فتلقاه وحيا. وهذا الغالب في القرآن، لا تكاد تجد لفظ الوحي في موضع منه، إلا وكان تفسيره بالتكليم الخاص مستبعدا، إلا في قوله تعالى: "فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي" [طه: 12-14]  والشاهد: "فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى" اعتبر المولى تعالى تكليمَ نبيِّه موسى عليه السلام من وراء حجاب وحيا، مما يعني أن لفظ الوحي ينقسم أيضا إلى عام وخاص، والنصوص التي جاء فيها خبر موسى عليه السلام، مقيدة بالوحي الخاص، الذي يتميز عن التكليم من وراء حجاب، أما الوحي العام، فيدخل فيه هذا التكليم الخاص ـ من وراء حجاب ـ ويندرج تحته، ولا مانع من إطلاقه عليه، وبالعودة إلى قوله تعالى: "فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى" وإلى حديث الإسراء: "فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ... الحديث" يتبين أن لفظ الوحي في الموضعين يحتمل الوجهين معا، وليس ترجيح أحدهما بأولى من الآخر، والله أعلم.

وذهب بعضهم إلى أن التكليم العام ـ الوحي ـ في حديث الإسراء: "فَأَوْحَى اللَّهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَيْهِ..." كان مناما لا يقظة، بدليل ما جاء في أوله: "... جَاءَهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ..." وفي آخره: ".. وَاسْتَيْقَظَ وَهُوَ فِي مَسْجِدِ الْحَرَامِ" وهذه العبارة الأخيرة من الزيادات التي تفرد بها راوي الحديث شريك، ونظرا لأنه من رجال الصحيح، يمكن حملها على استيقاظٍ من نومة نامها النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد الإسراء، لأن إسراءه لم يكن طول ليلته، وإنما كان في بعضها. أما ما جاء في أول الحديث: "وَهُوَ نَائِمٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ" ففي بدء القصة كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين النائم واليقظان، فأتاه الملك فانطلق به بعدما أيقظه،  والذي يدل عليه رواية قتادة عن مالك بن صَعْصَعَةَ، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "بَيْنَا أَنَا عِنْدَ الْبَيْتِ بَيْنَ النَّائِمِ وَالْيَقْظَانِ إِذْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَأُتِيتُ فَانْطُلِقَ بِي... الحديث" لم يكن النبيُّ صلى الله عليه وسلم قد استحكم في نومه، وإنما كان بين النائم واليقظان، فسمع صوت الملك، فأيقظه ثم انطلق به. والله أعلم


إرسال إلى صديق طباعة حفظ