إرسال إلى صديق طباعة حفظ
العنوان اختلاف قول ابن تيمية في الخضر!
المجيب
يوسف بن علي الطريف
التاريخ السبت 03 جمادى الأولى 1431 الموافق 17 إبريل 2010
السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..

لا يخفى على أحد من أهل العلم وطلابه أهمية كتاب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية، ولكن أجد في أحد المجلدات ما يحتج به المتصوفة وغيرهم في قضية حياة الخضر عليه السلام، حيث قرأت في فتوى من فتاويه أنه يقول بحياته، رغم وجود فتوى أخرى في موضع آخر للشيخ تناقض هذه الفتوى، فسؤالي هو: هل أخطأ شيخنا في هذه الفتوى وتراجع عنها؟ أم أن هناك من دسها في هذه المجلدات القيمة ونسبها إليه زورًا وبهتانًا؟ ولماذا أجيب من احتج بها؟ وفي حالة كونها خطأ تراجع عنه -يرحمه الله- هل توجد أخطاء أخرى مثلها في مجموع الفتاوى تجعل من الأفضل لطالب العلم البسيط أن يتوقف عن قراءتها؟ أفيدونا يرحمكم الله..

الجواب

السلام ورحمة الله وبركاته، وبعد:

فقبل الإجابة عن السؤال؛ أحب أن أؤكد على أمور:

1- أن كتاب مجموع الفتاوى للإمام ابن تيمية من أهم كتب العلم وأجمعها، لكن غالب ما في الكتاب كُتب عن الشيخ ولم يكتبه بيده. وقد قام الشيخ عبد الرحمن بن قاسم بجمعها من مصادر شتى، وبعضها يحتاج إلى تحقيق وتحرير.

2- أن على طالب العلم أن يقارن بين ما يرد في بعض الفتاوى لشيخ الإسلام في هذا المجموع وبين غيره من كتبه الثابتة عنه بلا ريب؛ مثل: اقتضاء الصراط المستقيم، ومنهاج السنة النبوية، ودرء تعارض العقل والنقل، ونقض تأسيس الجهمية، والنبوات، والإيمان...الخ. وهذا لا يعني التشكيك بكتاب مجموع الفتاوى.

3- أن الخطأ قد يقع لكبار الأئمة المحققين كشيخ الإسلام ابن تيمية، فالعصمة لا تكون إلا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

4- أن العالم قد يفتي بشيء ثم يتبين له خلافه فيرجع عنه، لكن قد يبقى ما أفتى به أولاً؛ فلا يعلم بعض الناس رجوعه عنه، كما هو الحال هنا في القضية التي ذكرها صاحب السؤال.

5- دأب بعض طلبة العلم المبتدئين بقراءة (مجموع الفتاوى) من أوله إلى آخره، وهذا قد يكون له أثر سلبي عليه، فأرى ألا يبتدئ طالب العلم بقراءة فتاوى العلماء عموماً، وهذا المجموع خصوصاً؛ بل يتدرج في الطلب، فيبدأ بأصول العلم الشرعي، ويأخذ العلم شيئاً فشيئاً؛ فإذا صلب عوده، وصار عنده ملكة جيدة، فلا بأس أن يقرأ في المطولات في الفتاوى وغيرها، وقد رأينا بعض إخواننا من طلبة العلم من وقع في طامات بسبب اعتماده على القراءة في (مجموع الفتاوى) ونحوه من غير أن يكون لديه ما يؤهله لفهم مسائل العلم، ومذاهب العلماء.

واختصاراً للجواب عما ذكره السائل؛ أقول:

- ورد في (مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية) (4/339) أن الشيخ سئل عن الخضر: "هل هو حي إلى الآن؟" فأجاب: "وأما حياته فهو حيٌ..." وهذا صريح في إثبات حياة الخضر!! ولم أجد لابن تيمية تصريحاً بحياة الخضر إلا في هذا الموضع من كتبه!!. وحياة الخضر يروج لها كثير من الصوفية، وغلاتهم يقولون إن الخضر وليٌّ من الأولياء وليس بنبي، ليصل إلى القول بأن بعض الأولياء أفضل من بعض الأنبياء!! كما فَضُل الخضر على موسى فيما علمه الله من أمر الغيب على ما جاء في سورة الكهف.

لكن الصحيح الثابت عن الإمام ابن تيمية أن الخضر عليه السلام ميتٌ وليس بحيٍّ؛ وقد جاء ذلك في مواضع من كتبه، بل جاء ذلك في (مجموع الفتاوى) نفسه؛ في (4/337) ونصه: "وسئل -رحمه الله-: عن " لخضر" و"إلياس": هل هما مُعمَّران؟ بينوا لنا رحمكم الله تعالى. فأجاب: إنهما ليسا في الأحياء؛ ولا مُعمَّران؛ وقد سأل إبراهيمُ الحربي أحمدَ بن حنبل عن تعمير الخضر و إلياس وأنهما باقيان يُريان، ويُروَى عنهما؟! فقال الإمام أحمد: من أحال على غائب لم ينصف منه؛ وما ألقى هذا إلا شيطان. وسئل "البخاري" عن الخضر وإلياس: هل هما في الأحياء؟ فقال : كيف يكون هذا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم "لا يبقى على رأس مائة سنة ممن هو على وجه الأرض أحد" رواه البخاري.

وقال –أيضاً- في مجموع الفتاوى (27/100): "والصواب الذي عليه المحققون أنه ميتٌ...".

وقال في كتابه: (نقض المنطق، ص184) -في معرض رده على من قال بحياة الخضر عليه السلام-: "وقولهم إن الخضر هو أرسطو! من أظهر الكذب البارد، والخضر على الصواب مات قبل ذلك بزمان طويل. والذين يقولون إنه حي -كبعض العباد وبعض العامة وكثير من اليهود والنصارى- غالطون في ذلك غلطاً لا ريب فيه. وسبب غلطهم أنهم يرون في الأماكن المنقطعة وغيرها من يُظن أنه من الزهاد، ويقول: أنا الخضر! وقد يكون ذلك شيطاناً، قد يتمثل بصورة آدمي...".

وقال تلميذه الإمام ابن القيم، في كتابه (المنار المنيف ص 68): "الأحاديث التي يذكر فيها الخضر وحياته، كلها كذب! ولا يصح في حياته حديث واحد؛ كحديث: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان في المسجد فسمع كلاماً من ورائه فذهبوا ينظرون فإذا هو الخضر.! وحديث: يلتقي الخضر وإلياس كل عام.! وحديث: يجتمع بعرفة جبريل وميكائيل والخضر.! الحديث المفترى الطويل... وسُئل عن ذلك كثير من الأئمة فقالوا "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون".

وسئل عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: لو كان الخضر حياً لوجب عليه أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويجاهد بين يديه ويتعلم منه..."..

فالحاصل أن الخضر عليه السلام ميتٌ، ويكفي في إثبات وفاته أنه كغيره من بني آدم، لا يمكن أن يخلَّد في هذه الدنيا، ولا دليل على بقائه حياً لا من الكتاب ولا من السنة الصحيحة، كما نؤمن بأن عيسى عليه السلام حيٌ لم يمت، وإنما نقول ذلك لأن القرآن نص على عدم موته وأن الله رفعه إليه، وجاءت الأحاديث الصحيحة بنزوله في آخر الزمان... وحينئذٍ فمن زعم بقاء الخضر حياً فعليه بالدليل كائناً من كان. وصلى الله على نبينا محمد وأزواجه وذريته.


إرسال إلى صديق طباعة حفظ